الخميس، 16 مايو 2019

مقالات:السودان الجديد الذي يريده الشعب (1-4)


ظهر مصطلح السودان الجديد مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي أسسها الراحل د. جون قرن التي ظلت و منذ تأسيسها و حتى بعد إنفصال الجنوب لايزال قطاعها بالشمال ينادي بسودان جديد يقوم على العلمانية ظناً منها أن الدين هو سبب مشاكل السودان لذلك لابد من إبعاده من الحياة العامة كما فعلت أوروبا بعد معركتها مع الكنيسة في عصورها الوسطى معتمدين في ذلك على جهلهم بالإسلام وعلى بعض الممارسات الخاطئة التي كانت تتم باسم الدين من بعض الجهلاء الذين نصبوا من أنفسهم دعاة له أو حكاماً باسمه و التي ألقت بظلالها السالبة على عقول دعاة العلمانية لذلك أخذوا يروجون لبضاعتهم البائرة مستندين و مستشهدين بتلك الممارسات الخاطئة و إن كانوا يقرون بأنها مخالفة لتعاليم الدين وقد يلتمس العذر لدعاة العلمانية في تخوفهم من إقامة نظام يقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية لأن هناك بعض الممارسات التي تصدر هنا وهناك من بعض الأنظمة أو الجماعات باسم الإسلام والإسلام منها بريئ و كنموذج لبعض هذه الممارسات سأقتبس جزءا من مقال للأستاذ فهمي هويدي بعنوان « فتاوى مفخخة « نشر بجريدة الأحداث في عددها الصادر يوم 10/1/2012م حيث يقول :سئل صاحبنا عن التحالف مع اللبراليين فأفتى بأن لا يجوز قطعاً التحالف مع التيارات المخالفة للشرع و من ثم لا يجوز لحزب النور التحالف إلا مع الأحزاب التي تنصر الحق و تطبق شرع الله و نهى عن تهنئة الأقباط في الأعياد قائلاً : إن أعياد المشركين لا يجوز شهودها و لا المعاونة على إقامتها لأنها مرتبطة بعقيدة فاسدة ..... وحين أطالع أمثال هذه الفتاوى المفخخة التي يطلقها أولئك الدعاة الجدد و ألحظ ما فيها من جرأة و تغليظ تنتابني الدهشة و يتملكني العجب الأمر الذي يدفعني إلى القول بأنه إذا كان أبناء الإسلام يقدمونه بهذه الصورة فإن تشويهه لا يحتاج إلى أعداء )
نعم إن  مثل هذه الفتاوى المفخخة و ما أكثرها قد تخيف دعاة العلمانية لكن هل مثل هذه الممارسات إسلامية حتى تعمم على الإسلام و الحكم عليه بالرجعية و التخلف و المطالبة بالإستعاضة عنه بالعلمانية ؟؟!! كيف أفتى ذلك المفتي بحرمة تهنئة الأقباط في أعيادهم  والمولى عز وجل قد أحل للمسلم الزواج من الكتابية بل أحل للمسلمين طعام الذين أوتوا الكتاب ؟؟؟؟؟ !!!!!! ألم يقرأ ذلك المفتي قول المولى عز وجل ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) 
وقد لخص عبد العزيز الحلو ،أحد قيادات الحركة الشعبية قطاع الشمال موقف الحركة الشعبية من الدين عند رده على السؤال الذي وجه إليه في الحوار الذي أجرته معه جريدة المصير في منتصف عام 2011م كما أوردت ذلك جريدة الخرطوم في عددها الصادر يوم السبت 8/3/2014م فقد جاء رده ( للحركة الشعبية لتحرير السودان موقف مبدئي فيما يتعلق بمسألة الدولة الدينية أو علاقة الدين بالدولة ولا يقتصر ذلك على الشريعة الإسلامية فقط بل يشمل كافة القوانين الدينية إسلامية كانت أو مسيحية أو هندوسية و الحركة الشعبية تنادي بالعلمانية لضرورة إخراج السلطة الزمنية من الدين و تطبيق منهج علمي في الحكم قابل للقياس و التصحيح و التطوير و يمكن إجمال موقف الحركة الشعبية دون إبتسار في ثلاث نقاط هي :
• لا يحق للدولة أن تفرض أي دين أو ممارسة دينية على المواطنين
• تكفل الدولة حرية الإعتقاد و التدين و التعبد و التنظيم و الدعوة بالطرق السلمية
• من واجب الدولة سن القوانين التي تحمي المواطنين من محاولة أي فرد أو جماعة للقيام بفرض عقيدة أو توجهات دينية على هؤلاء المواطنين
هذا الموقف للحركة الشعبية من الدين قد لا يختلف كثيرا عن مواقف كل القوى اليسارية بالسودان وعلى رأسها الحزب الشيوعي الذي أفرخ هذه القوي  بما في ذلك الحركة الشعبية التي تعتبر إمتدادا للشيوعية وليس غريبا أن تعادي الشيوعية كل الأديان لأنها دعوة إلحادية ما قامت إلا لتعادي الأديان عداءً لا هوادة فيه و لا رحمة  بل تسعى و بكل السبل لإنتزاع مشاعر التدين من القلوب وهذا الموقف العدائي للأديان قد صوره إمامهم لينين في كتيب جمع أفكاره المتناثرة عن الأديان تحت عنوان ( آراء لينين في الدين, On Religion , ) حيث قال ( إن الماركسية مادية لذلك فإن عداءها للدين عداء لا رحمة فيه ) و يقول (يجب علينا محاربة الدين و هذا من أبجديات كل النظريات المادية التي من بينها الماركسية لكن الماركسية ليست من الماديات التي تقف عند هذا الحد بل تذهب أبعد من ذلك . فعلينا معرفة كيف تحارب الأديان و لنفعل ذلك علينا أن نقوم بشرح مصدر الدين للطبقة العاملة بصورة مادية لأن محاربة الأديان لن تتم بمجرد الخطب الفكرية المجردة بل يجب أن يرتبط ذلك بحركة الطبقة العاملة التي تهدف إلى قطع الجذور الإجتماعية للدين ) و يقول أيضا (أي ماركسي يجب أن يكون ماديا – أي عدوا للدين – لكن يجب أن يكون ماديا ديلكتيكيا أي يستخدم المنطق في محاربته للدين ) أما ماركس فقد كان يعتقد أنهم لكي يحرروا الطبقة العاملة و بالتالي الجنس البشري ككل لابد من أن ينزعوا الشعور الديني من القلب الإنساني و يقول ( ليست حرية الضمير الدينية هي مانريد ولكن تحرير الضمير الإنساني من الخرافة الدينية ) والشيوعية هي إبداع روسي تقيم برنامجها كله على نظرة عالمية محدودة و قد ورد في القسم رقم (13) من دستور الحزب الشيوعي الروسي الذي يعتبر الدستور الأنموذج لكل الشيوعيين « إنه ينبغي على كل عضو من أعضاء الحزب الشيوعي أن يكون ملحداً و أن يقوم بالدعاية المناهضة للدين و مطلوب من أعضاء الحزب أن يقطعوا كل صلة لهم أيا كانت بالكنيسة « « و الشيوعي الحقيقي لا يمكن أن يكون متدينا أو مؤمنا بأي دين و ثمة نظرة محددة إلى العالم يجب أن يلتزم بها عضو الحزب الشيوعي هي انه ينبغي أن يكون ملحدا محاربا «
و لأن اليسار ملة واحدة فقد تطابقت رؤية حركة «حق « نحو الدين مع رؤية الحركة الشعبية حيث يلتقوا جميعا عند الدعوة للدستور العلماني الذي يحلمون بأن تقوم على أساسه دولة السودان الجديد فقد جاء على لسان رئيسها الأستاذة/ هالة عبد الحليم في الحوار الذي أجرته معها جريدة الأحداث في عددها الصادر يوم 20/1/2012م أنهم لا يؤمنون بأن هناك دستور إسلامي بل حتى مجرد الحديث  عنه يعتبر فرية كبيرة كما أكدت أن لا أحد يستطيع أن يتحدث باسم الله أو أي حديث مقدس و عندما سؤلت بأن المجتمع السوداني يرفض فكرة العلمانية بحكم أن معظم السكان مسلمون و ملتزمون بدينهم عزت ذلك إلى التخلف و عدم الوعي و عدم التعليم بل مضت أكثر من ذلك حيث دعت إلى وجوب الفصل بين دين الشخص و بين وجوده في الدولة لأن الحقوق في الدولة تقوم على المواطنة و ليس الدين و حتى العلمانية في نظرها ليست ضد الدين و نادت بإبعاد مؤسسة الدولة عن الدين وكنت قد علقت على ذلك الحوار بمقال من ثلاثة حلقات تحت عنوان ( اليساريون و الأسلام  ) نشر الجزء الأول منه بتاريخ 25/1/2012م بجريدة الأحداث
هذه هي رؤية اليساريين تجاه الدين و علاقته بالدولة التي يحلمون بها  فهل هذه الرؤية تمثل إرادة الشعب السوداني الذي عزت رئيس حركة حق رفضه للعلمانية التي تدعو لها إلى الجهل و التخلف وعدم التعليم ؟؟؟!!! أم أن الدعوة إلى العلمانية دعوة معزولة يؤمن بها شرذمة قليلون من المجتمع السوداني و تحاول قوى اليسار فرضها عليه .