
كتب صديقنا الشاعر والإعلامي الشامل الراحل ذو النون بشرى له الرحمة والمغفرة في نهاية ثمانيات القرن الماضي، أغنية (يا حمام حم حم شتت ليك سكر) وغناها الفنان حمد البابلي، فشن النقاد الفنيون عليه هجوماً شديداً بسبب هذه الأغنية، فلما قامت بعد ذلك ثورة الإنقاذ في الثلاثين من يونيو عام 1989م، كتب ذو النون له الرحمة والمغفرة أغنية للثورة هي أغنية (هبت ثورة الإنقاذ ثورة جيش للشعب انحاز) ودفع بها لصديقنا الفنان كمال ترباس، وقال له إنه يريد بهذه الأغنية أن ينسى الناس أغنية يا حمام حم حم شتت ليك سكر، فوضع لها ترباس لحناً مميزاً، وكعادته أبدع في أدائها، فلما علم ترباس أن الإنقاذ لها علاقة بالجبهة الإسلامية أوقف ترديد الأغنية، ومن طرائف تلك الفترة، أن واحداً من أصدقاء ترباس قال له، (ناس الجبهة غشوك) بمعنى خدعوك، فرد عليه كمال ترباس (ديل غشوا الشربيني، ما يغشوني أنا) يقصد السفير الشربيني سفير مصر في السودان في ذاك الزمان. وأذكر بعد بضعة شهور جاءت ذكرى أعياد الاستقلال في العام الثاني للإنقاذ، وكنت حينها في مصر، وكذلك الفنان كمال ترباس، فأقام المعارضون حفلاً ضخمًا في ذكرى الإستقلال في مسرح البالون غني فيه الفنانون، محمد وردي، ومصطفى سيد أحمد يرحمهما الله، والفنان سيف الجامعة، وشارك فيه الشاعر الدكتور محمد بادي، فاحتار الأخوة في السفارة السودانية ماذا يفعلون، فاقترحت عليهم الفنان كمال ترباس، فأعجبتهم الفكرة جداً، واقترح أحدهم أن يغني ترباس أغنية ثورة الإنقاذ، فاعترضت على ذلك لأني أعلم حساسية كمال من هذه الأغنية، وقلت لهم لن يقبل، لكنه يمكن أن يغني (جيشنا يا جيش الهناء الحارس مالنا ودمنا) فراقت لهم الفكرة، كما راقت أيضا للفنان كمال ترباس، فقبل الدعوة، وغنى بمزاج عال، وارتدى العباءة الحمراء، وبدأ الحفل بأغنية (جيشنا يا جيش الهناء) التي انفعل معها الجمهور بصورة غير مسبوقة، فتحت شهية كمال ترباس، فزاد في الإبداع والتجلي.
تذكرت هذه القصة التي أوشك أن يبلغ عمرها الثلاثين عاماً، وأنا أتابع تجليات الجيش السوداني هذه الأيام وهو يتعامل مع المحتجين بمسؤولية ووطنية، ومهنية عالية، أثبت فيها أنه بالفعل جيش الوطن، وليس جيش حكومة، أو حزب، ومن غرائب الصدف أن مستشار السفارة السودانية في القاهرة في ذاك الزمان كان هو العقيد الركن عوض محمد أحمد ابنعوف، وهو ذاته الفريق أول ركن عوض ابنعوف وزير الدفاع، النائب الأول لرئيس الجمهورية الآن. وهذا الموقف الوطني القومي من جيش السودان هذه الأيام، جعله محل رضاء وثقة، وتقدير الجميع، فالمتظاهرون ظلوا يهتفون (جيش واحد شعب واحد) ومثلما أشاد به رئيس حزب المؤتمر الوطني المفوض مولانا أحمد محمد هارون، أشاد به كل قادة وزعماء الأحزاب المعارضة، وأشاد به النقابيون الموالون للحكومة، والمهنيون المعارضون لها، ومثل هذا الموقف، يضع الجيش في خانة خط الدفاع الأخير عن مكتسبات الوطن، ومستقبله، واستقراره، فإذا أعيت السياسيين الحيلة، فإن الحل سيكون بيد جيشنا، جيش الهناء، الحارس مالنا ودمنا، وأحتقب فكرة واضحة أطرحها في مقال قادم باذن الله تعالى، إذا ما صارت هي الخيار الأخير، وأكاد أراها الخيار الأمثل، لكنني لا أود سبق الأحداث.