الاثنين، 1 أبريل 2019

مقالات:تأملات:المخابز المصرية.. انتو ما تعرفوش دراو


أعتذر مرة الأستاذ الدكتور زهران أستاذ علم المحاصيل في كلية الزراعة بكفر الشيخ المصرية عن التأخير بسبب سفره إلي القاهرة لاستخراج جواز سفر، وكان ذلك في خواتيم سبعينيات القرن الماضي، وكان من عادات دكتور زهران تبادل القفشات مع طلابه بصورة عفوية، وظريفة وجادة في آن واحد، دون أن يؤثر ذلك علي سير المحاضرة، ومن ذلك قال مرة أحد الطلاب أن الكابتن علي خليل مهاجم الزمالك المشهور في ذاك الزمان، لو (شات) الكرة كان أحرز هدفا، وكانت مباراة للزمالك والأهلي قد انتهت بالتعادل السلبي، وكان دكتور زهران أهلاويا متعصبا، وكان الطلاب يعرفون ذلك، فرد دكتور زهران علي الطالب قائلا، (هو في حد حاشو) يقصد علي خليل. فلما ذكر موضوع استخراج الجواز قال له أحد الطلاب (هو أنت ما عندك جواز يا دكتور) وكان أغلب الدكاترة في ذاك الزمان قد حصلوا علي شهادات الدكتوراة من أوروبا أو أمريكا، فعرف دكتور زهران مغزي سؤال الطالب، فرد علي (أصلو أنا جبت كل الشهادات دي من هنا، وعملت كل البحوث دي في دراو) ثم أردف، (أصلو انتو ما تعرفوش دراو) وهي ذاتها مدينة دراو في صعيد مصر المشهورة بتجارة الجمال السودانية، وكان بها مركز كبير لأبحاث المحاصيل.
تذكرت هذه القصة وأنا أسمع بعض الزملاء وغيرهم من السياسيين، والناس، لا سيما المعارضين يتناولون خبر تصنيع الجيش المصري مخابز للسودان بسخرية واستهزاء، وكان السفير المصري بالسودان معالي السفير حسام عيسي قد صرح بذلك عقب لقائه مساعد رئيس الجمهورية مولانا أحمد محمد هارون في مكتبه بالقصر الجمهوري، وأذكر عندما صافح السفير حسام عيسي مولانا هارون في الحفل الذي اقمناه لتكريمه في مركز عنقرة مع مركز مهدي للفنون، ومركز الزاكي للمؤتمرات الشهر الماضي في صالة أمسيتي ومعه الدكتور فيصل حسن إبراهيم، قال السفير لهارون وهو يصافحه، (أنا جيت علشان أقول لك مصر معاك) وها هو السفير عيسي يثبت للمساعد هارون أن مصر معه، بذراعها الأقوي، الجيش المصري، واستغرب الذين (ما يعرفوش دراو) لأنهم لا يعلمون أن الجيش المصري يشكل أكبر مؤسسة إنتاجية إستراتيجية في مصر، وفي المنطقة كلها، فكان الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، عندما تتفاقم أي مشكلة، ويعزم علي حلها حلا جذريا، يسندها للمؤسسة العسكرية، وأذكر كانت قد حدثت أزمة حادة في الخبز أواخر عهده في الحكم، فاستدعي وزير الدفاع المشير طنطاوي، ومنحه شهرين لحل هذه المشكلة، فحدد المشير عبر خبرائه الأزمة في ثلاثة محاور، شح في الدقيق، وضعف في الإنتاج، وفساد في التوزيع، ففتحت المؤسسة العسكرية اعتمادات استيراد قمح، وقامت بتصنيع مخابز سعة الواحد منها الإنتاجية في اليوم ملايين من قطع الخبز، وأشرف أفراد من الجيش علي توزيع الخبز، وكان كثير منه يسرب من السوق، ويباع إلي مزارع الإنتاج الحيواني يستخدم علائق مركزة، فاستطاع الجيش حل مشكلة الخبز نهائيا في أقل من شهرين.
ويبدو أن مصر قررت الوقوف مع شقيقها السودان لحل مشكلة الخبز التي كانت الشرارة الأولي لانطلاق الإحتجاجات الشعبية في مدينة عطبرة عاصمة الحديد والنار، وكانت مصر قد تبرعت بكميات من القمح للسودان، تلك التي روج المفترون كذبا وبهتانا أنها لا تصلح للإستخدام الآدمي، وهذا هو المحور الثاني الذي يمكن أن تساهم فيه مصر في حل مشكلة الخبز في السودان، والجيش المصري قادر علي صناعة مخابز يكفي إنتاج الواحد منها في اليوم لتغطية احتياجات مدينة كاملة.
والرئيس السيسي يعتمد في المشروعات الكبيرة علي مؤسسات الجيش المصري الإنتاجية، فشركة الخدمة الوطنية أنشأت خلال عامين نحو مليوني وحدة سكنية فاخرة لمحدودي الدخل في مصر، وكان الرئيس السيسي قد افتتح شهر فبراير الماضي مزارع لبيوت محمية في مساحة مائتي ألف فدان أنشأتها شركة الخدمة الوطنية التابعة للمؤسسة العسكرية المصرية. فلما يدخل الجيش المصري في إنتاج مخابز للسودان يعني ذلك أن مصر قد قررت الوقوف مع السودان في الأزمة الاقتصادية الراهنة، بأعز ما عندها، وأقواه،  - الجيش المصري - وحسنا أعلن السفير حسام عيسي ذلك عقب مقابلته المساعد أحمد هارون، وليت مؤسسة الرئاسة السودانية تسند ملف العلاقات السودانية المصرية إلي مولانا أحمد محمد هارون مساعد رئيس الجمهورية، الذي كان رئيسا للاتحاد العام للطلاب السودانيين في مصر أيام دراسته للقانون في جامعة القاهرة الأم، فأحمد هارون من الذين (يعرفون دارو) .