الاثنين، 1 أبريل 2019

أوراق من ذاكرة أمدرمان:شخصية امدرمانية:الشاعر الأم درماني ابراهيم الرشيد في حوار مع «الوطن» - الحلقة السابعة -


"ضحك القدر" جعلتني بين أمرين أحلاهما مر..
 جيشنا وضع شروط لو دخل حارب يعطوا السودان استقلاله وكان لهم ما أرادوا.. 
 هذا سر إعلان الاستقلال من داخل البرلمان 
 ابراهيم الرشيد أحمد حامد من مواليد بيت المال في أول يوليو 1932. درس الكتاب بمدرسة الهداية الأولية والوسطى بالأحفاد، اجتاز امتحان السكرتير الإداري بدرجة ممتاز، كما اجتاز امتحان الشهادة السودانية بدرجة جيد جداً ، التحق بهيئة البريد والبرق في 1950 وتدرج في سلم الوظيفة حتى درجة وكيل ، وكان آخر مكتب عمل به هو البريد والبرق بالموردة في 1963 -1969. ثم التحق بهيئة الطيران المدني في 1970 واستمر بها حتى عام 1992 ، حيث نزل المعاش الإجباري وآخر وظيفة كان يشغلها هي باشمهندس لاسلكي طيران. 
بعد تخرجه من معهد الطيران المدني سافر في بعثات خارجية أوربية وكذلك إلى جمهورية مصر العربية والعراق واليمن.
* في هذه الحلقة لندع الذكريات تحلق بنا بين كرري الموقعة والحدث الحي ومكتب بريد البرلمان؟ 
- وشهد شاهد من أهلها في موقعة كرري الشهيرة، حيث كان رئيس وزراء بريطانيا آنذاك (المستر تشرسل ونستون )متابع الحملة التي هزمت كرري وكان يحمل معه أحد مؤلفاته واسمه  (ريفروور ) و (حرب النهر، )وكان مرافقاً للجيش منذ تحركه ويسجل الأحداث أول بأول ، فوصف معركة كرري بأن الجيش السوداني كان واقفاً أربعين أربعين في كل صف فلما ينقص عدد من الصف الأمامي يدخل آخرون من الخلفي ليكملوا العدد وهكذا استمر الحال حتى تم قتل الجيش السوداني بكامله فكان تعليقه بان الجيش السوداني جيش عظيم قاوم الحملة الشرسة بكل بساطة وقوة فكان الإيمان سلاحه وكانوا يحاربون بالسيوف والحراب والجيش الغازي يحارب بأحدث الاختراعات.
 فالمستر تشرسل ونستون تحدث عن السودان بكل أريحية، وهذا فخر لأجداد الشعب السوداني الذين سجلوا للتاريخ مثل هذه العبارات والتي تدل على الصدق والإيمان بالمبادئ. 
* كيف يدخل الجيش السوداني معركة يعلم جيداً انه الخاسر فيها؟ 
- من الأشياء اللطيفة قبل أن ندخل دي جيشنا وضع شروط لو دخل حارب مع الناس ديل يعطوه استقلاله وكان لهم ما أرادوا، فهذا للتاريخ يخلد بسالة السودانيين. 
* وماذا عن فترة عملك بمكتب بريد البرلمان. 
- في الفترة مابين 1962-  1970 كنت وكيلا بالبريد والبرق البرلمان وكنا نتعامل مع ركاب مرور الترانزست وليس مع الجمهور وكان في ذلك الوقت لا يوجد بنك ولكن بنك السودان جاب لينا تخته كبيرة فيها أسعار العملات ومثال لذلك الجنيه السوداني يعادل مية قرش والجنيه الاسترليني يعادل سبعة وتسعين قرشاً وأما الدولار الأمريكاني، فيعادل اثنان وثلاثون قرشاً، فإذا أراد أحدهم أن يرسل برقية نرسلها له ونحاسبه على العملات المذكورة أعلاه. 
وكان بمكتب البريد مجموعة متنوعة الطابعات ابتداءً من فئة المليم وحتى الجنيه، وصدفة أتى إلى مكاتبنا راكب من ركاب الخطوط الجوية لشرق أفريقيا وكان محتاج لخمس أو ستة من الطوابع وقدمت له ما يريد وتحاسبنا وسألني عن موقع التواليت فدليتو عليهو وثم سألني من هو الحاكم وكان في تلك الفترة الفريق إبراهيم عبود فأخذته إلى الصالة التي وضعت فيها صورة الفريق ابراهيم  عبود وقلت له هذا هو رئيس جمهورية السودان فأستنكر الرجل، وقال لي بالإنجليزية  (لا أنا لم أسمع بهذا الفريق من قبل والذي أعرفه هو هذا السودان الإنجليزي المصري )، فقلت له الحال تغير والعلم انتشر والسودان الآن مستقل فقال لي أبداً أبداً،  وكنت مشغولا جداً لأنه في تلك الفترة اغتيل رئيس لوممبيا وكان يأتي كثير من من أهالي لوممبيا للسودان ويمكثون فيه أياماًَ حتى تهدأ   الأحوال ولكي أحجز هذا الخواجة اتصلت بكومندان المطار وطلبت منه الحضور لضرورة ماسة وعندها شرحت له ما كان وطلبت منه أن يحجزو بمكتبه وقد كان وتجاذب معه أطراف الحديث وأقنعه بالواقع ، وعندما انتهيت من دوامي بالعمل ذهبت إلى مكتب الكومندان وذكر لي أن الخواجة يريد الإعتذار مني وفعلا أعتذر بقوله ( أنا أخذت فكرة خطأ عن السودان والحمد لله اخوك دا أقنعني ) فقلت له دا شئ عظيم والإعتذار للسودان وليس لي. . وكنت سعيداً جداً لأنني انتصرت للسودان  وكرامته، وهذا من المواقف الوطنية التي هزتني واستفزتني جداً وهي كثيرة.
 يوم إعلان الأزهري لاستقلال السودان من داخل البرلمان و وسط نشوة الحضور وفرحة العتق وفي تمام الساعة الثانية عشر جاءني صحافي انجليزي تابع لصحيفة  (ديلري ميلر الانجليزية وكان يحمل برقية معنونة من ملكة بريطانيا وكان عنوان البرقية  (حيث ضحك القدر )فأنا عندما أعطاني البرقية تألمت جداً لأنو في هذا اليوم أعلن استقلالنا. 
وكانت تحتوي على أربعة مقاطع، يقول المقطع الأول إن التعليم في السودان واحد في المائة، والثاني الجنوب عرايا، والثالث شرق السودان متخلف ، أما  الرابع فيقول إن السودان لا يستحق الاستقلال في هذه الفترة ويرجو من الملكة التدخل وإلغاء الاستقلال.
* وما كان موقفك حيال هذا الأمر؟ 
- كنت بين أمرين أحلاهما مر، بين أن أرسل البرقية كواجب يمليه على عملي أو لا أرسلها كسوداني واحترت كيف اتصرف، فاستلمت البرقية واستضفت الصحافي الخواجة في مكتبي وجعلته ينتظر لخمس دقائق وخرجت لأجد أي مسئول من حكومة الأزهري التي كانت تباشيرها. 
وكنت أبحث عن شخص من الوطن الاتحادي أو الأزهري ليفيدني حول البرقية ولحسن حظي وجدت عمنا بابكر القباني  وكان من المقربين للأزهري ونائب مدير البريد والبرق فقدمت له البرقية وطلبت رأيه فيها أرسلها أو لا.؟
فطلب مني أن  أجلس مع الخواجة وسيفيدني ماذا فعل وبالفعل جلست مع الخواجة وتجاذبنا أطراف الحديث وبعد دقائق جاءني  العم بابكر قباني وأخبرني بأنه سلم البرقية  (ليحيى الفضل )وكان وزير المواصلات في حكومة الأزهري، وكان يحيى كلما حاول التحدث مع السيد إسماعيل الأزهري ليأخذ رأيه في البرقية يأتي أحدهم فيقاطعه وكان الموضوع التهنئة بالاستقلال ويضطر يحيى الانتظار، وفي النهاية وجد الفضل  سانحة فأوضح الأزهري انه يريد استشارته في أمر، فقال له الأزهري فيما تستشيرني وانت وزير المواصلات والناطق الرسمي بالحزب الوطني الاتحادي، ولك التصرف كما تريد، فقال الفضل للأزهري هذا أمر مختلف، وقدم له البرقية فقراها الأزهري وعلق بقوله  (دا ما كلام كلو صاح ونحن شغالين  بالنظام الخاص بإنجلترا وكلو مجلس شيوخ ومجلس نواب وأضاف له أن في انجلترا حتة اسمها  (هايت بارك )في الحتة دي ممكن أي زول يجيء ينبذ الملكة ويقول أي شئ  ، ونحن ماشين بالنظام دا وأنا عايز أرسل البرقية دي عشان يهاجموني في ميدان المدرسة الأهلية لأنو كانت تعقد بها اجتماعات الحزب ، وطلب من يحيى الفضل أن يدله على الصحافي الخواجة صاحب البرقية وحضر المكتب وجدني جالساً معه، فأزهري كان في الدائرة الشمالية ونحن كنا نعمل لأجل فوزه وقد كان وفاز على آخر يدعي العم أزهري أيضا، فلما رأني قال لي بالانجليزي  (يا ابراهيم أنا أشكرك على وطنيتك ولكن السياسة لعبة قزرة وتدفعك للتجارب حسب مصلحتك وطلب مني أن أرافق الخواجة إلى مكتبه لكي يجالسه واجتمعنا في مكتب الأزهري وكنا أنا والخواجة صاحب البرقية والعم بابكر والسيد يحيى الفضل، فأنبسط أزهري من الخواجة ، وقال له  (انت عملتا حاجة كويسة خالص وفعلا الوضع الآن كذلك ولكن سيتغير في المستقبل فلو عندك أي شئ إضافي أكتبوا وكتب على البرقية ترسل فوراً ومضى عليها.
* هل لديك أغنية ارتبطت بتلك الفترة والأحداث؟ 
- كانت الأغنية الوطنية أشيلك أصالة ومطلعها :
أشيلك أصالة وأضمك رسالة 
يا تاريخ بيروي منابع حضارة 
* وماذا عن مناسبة قصيدة شاطئ النيل؟ 
- شاطئ النيل ذلك الساحر العملاق كاتم أسرار العشاق وحاضن خزاين ذكرياتهم. 
أما عن مناسبة القصيدة فهناك اثنين عاشوا قصة حب عميقة وكانوا كلما سمحت الظروف يأتوا إلى مكان معين في شاطئ النيل لكي يتناجوا ويحكوا ويفكروا ومرت سنوات عدة سجلوا فيها أجمل اللحظات ، وحصل الفراق لأسباب عائلية وطال الغياب لأكثر من عشر سنوات ثم أتى من بعده اللقاء وكان الشجن والدموع والحكاوي فاستعادوا كل الذكريات التي عاشت في الخاطر ، وقد رضوا بالمقسوم وتناقشوا نقاشاً حياً وضع النقاط على الحروف وهذا سبب ذكرى الأحباب شاطئ النيل.