الخميس، 4 أبريل 2019

مقالات:تأملات:إعلام الإنقاذ.. هنا مافي أعداء ثورة مايو


من الطرائف التي تنسب للرئيس الراحل المقيم المشير جعفر محمد نميري له الرحمة والمغفرة، أنه قاد وفد السودان المشارك في الجمعية العمومية للأمم المتحدة أوائل سبعينيات القرن الماضي عقب أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي وانقلاب الشيوعيين في يوليو عام 1971م، فبينما هو يخاطب الجمعية العمومية، قال في بدايات خطابه، (إن أعداء ثورة مايو) فهمس في أذنه وزير خارجيته، ويقال أنه كان الدكتور منصور خالد، وقال له، (هنا مافي أعداء ثورة مايو يا ريس).
تذكرت هذه الطرفة وأنا أتابع بعض ما يكتبه بعض المنسوبين لنظام الإنقاذ وحزب المؤتمر الوطني في بعض الصحف والمواقع، من الذين يكيلون كيلا ثقيلا للمعارضين، ويسبونهم ليل نهار، وأذكر أني التقيت واحدا من هؤلاء (السبابين) وهم بالطبع غير السبابين في مستخدم أهل السودان من اللغة، ويقصدون به السماسرة، وإن كان الوصف يصح علي بعضهم، ولكنني أعني الذين يسبون الآخرين، فذكرت له مقولة صديق قديم، كان يعلق على مثل قول هؤلاء بقوله، (ما تسيء، نبذ ساكت!) وغير أني أبغض منهج الشتيمة، ولا أراه يناسب الحال ولا المقال، فإن المنهج الذي ينسب له الحكم يبغض ذلك، ورغم أن كثيرا من شعاراتنا القديمة لم يعد لها وجود يذكر، ولكن ينبغي في مثل هذا الحال الذي نعيشه أن نستحضر بعض المعاني السامية، فلا يزال يرن في الأذن الهتاف القديم (الرسول قدوتنا) ومعلوم عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يتمثل في حله وترحاله، قوله تعالى، (لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) ولم يكن صلى الله عليه وسلم، طعانا ولا لعانا، ولا فاحشا، ولا بذيئ ، وكان يعلم أن الله أرسله للناس كافة بشيرا ونذيرا. ومعلوم موقفه النبيل يوم دخول مكة، فلما جلس القرشيون منكسرين، مستسلمين، سألهم، (ماذا تظنون أني فاعل بكم؟) فردوا عليه بما عرفوه عنه صلى الله عليه وسلم (أخ كريم ابن أخ كريم) فكان عليه أفضل الصلاة وازكى التسليم كما عرف عنه، فقال لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء).. فلو لم نحسن القول إقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، فلنفعله لضرورة المرحلة، وهدي القادة هذه الأيام، فلقد ظل الرئيس البشير يحسن الخطاب إلى المعارضين الممانعين، والحاملين السلاح، ويمدد وقف إطلاق النار، ويجدد لهم الدعوة إلى الحوار، وإلى كلمة سواء، أما رئيس الحزب المفوض المكلف مولانا أحمد محمد هارون، فمنذ أن اختاره المكتب القيادي نائبا لرئيس حزب المؤتمر الوطني، وكلفه الرئيس بالقيام بمهامه، وفوضه سلطاته، لم يسمع عنه الناس إلا خيرا، وبهما ينبغي أن يقتدي الذين يتحدثون ويكتبون باسم الحزب والحكومة.
نجد العذر للذين لا يزالون يدافعون عن المشروع ودولته لأنهم وجدوا أنفسهم في زمان ما ، وحيدين في الساحة يصولون ويجولون دفاعا عن المشروع، وقد تخلى عنه كثيرون كان يفترض أن يكونوا في مقدمة صفوف المدافعين، لأنهم كانوا في مقدمة المستفيدين، ولكنهم فعلوا بمنطق الرجل الذي صاح عندما وجد فأسا في الطريق، (لقد وجدت فأسا) فلما أدركهم صاحب الفأس قال (لقد وقعنا !( فنعذر الذين صمدوا وتصدوا، ولكنهم يجب ألا يصيروا مثل الصديق الجاهل، فالمرحلة الآن مرحلة جمع الصف الوطني، وأول مطلوبات جمع الصف الوطنى حُسن الخطاب.
لقد ظلت علة الإنقاذ على الدوام في إعلامها، وفي صحافتها، فما صرفته الإنقاذ على الصحافة لم يصرف في أي عهد مضى، وما صرف في صحف الحكومة والحزب، يعادل عشرات أضعاف ما انفقته الصحافة الخاصة والمستقلة، ومع ذلك لم تنجح صحيفة حكومية، أو موالية للحكومة، ذلك أنها جميعها لم تبن على منهج سليم، ولم يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. والذين يشتمون المعارضين اليوم ويظنون أنهم يخدمون الحكومة وحزبها، فإنهم يفعلون عكس ذلك تماما، ففضلا عن كونهم يباعدون بين النظام وبين قوى يمكن أن تكون قريبة منهم، فإنهم يبثون الحياة في قوى وأحزاب وأفراد أكل الدهر عليهم وشرب، فالحزب الشيوعي السوداني مثلا ما كان يمكن ان يسمع له صوت، لولا ما يهرف به أدعياء الدفاع عن الإنقاذ الذين ينسبون له بطولات هي براءة منه. فعلى هؤلاء الأخوة مراجعة حساباتهم، حتى لا يكون ضررهم أكبر من نفعهم، وحتى لا يخسروا، وهم يظنون أنهم يكسبون.