أحسب أن كل مكونات ذاك الزمان لو استقبلت من أمرها ما استدبرت لاتخذت موقفاً غير الذي كان في ذاك الزمان، أول هذه المكونات النظام القائم آنذاك، فلم يتعاط النظام مع الأحداث بما تستحقه، فاستخف بها استخفافاً كبيراً، وهون من أمرها، وصدق أنها هينة، لدرجة جعلته يغامر ويدعو لموكب قصد منه رداً عملياً على المتظاهرين، وإظهار قوة الحكومة، هو موكب الردع، الذي دق المسمار الأخير في نعش النظام، فخرج الناس كلهم في اليوم الثاني يطالبون برحيل النظام، الأمر الذي اضطر الجيش للتدخل واستلام السلطة، ومن العوامل التي أضعفت النظام أنه كشف ظهره قبيل اندلاع هذه المظاهرات، وذلك عندما استجاب الرئيس نميري لوشايات العلمانيين من أهل حكمه، وانقلب على الإسلاميين حلفائه الأقوياء، وزج يقياداتهم في السجون في العاشر من مارس ذاك العام 1985م، فلما انطلقت أول مظاهرة قادها اتحاد طلاب جامعة أم درمان الإسلامية في السادس والعشرين من ذات شهر مارس، لم تجد الحكومة من يدافع عنها ويدفع الأذى، وقد تحول الإسلاميون إلى صفوف المعارضين، فصارت الثورة تتصاعد يوماً بعد يوم، حتى خرجت البلد كلها على ظهر بكرة أبيها، ونجحت الإنتفاضة، وسقطت الحكومة.
لم يكن للأحزاب السياسية التقليدية أي دور يذكر في الإنتفاضة، ولم يشارك أحد من قادتها مشاركة فاعلة في التظاهرات سوي الأستاذ علي محمود حسنين القيادي الاتحادي المعروف، ورغم أن اتحاد الجامعة الإسلامية الذي يعتبر خروجه للشارع شرارة الثورة الأولى، وأن هذا الاتحاد كان يقوده حزب الأمة ضمن تحالف المعارضين، إلا أن الطلاب الذين خرجوا إلي الشارع من كل الجامعات والمدارس، وكذلك الجماهير التي انضمت إليهم لم يكونوا جماهير حزب الأمة، او غيره من الأحزاب المعارضة المعروفة، أما أحزاب اليسار بقيادة الحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث العربي الإشتراكي وغيرها رغم أنهم لم يكن لهم وجود يذكر في الشارع، لكنهم فعلوا ذات ما فعلوه في ثورة أكتوبر فقادوا تكوين التجمع النقابي، ليقوم بذات الدور الذي قامت به جبهة الهيئات في أكتوبر، وهو ذات الدور الذي يحاولون به الآن السطو على رأي الشعب باسم تجمع المهنيين.
ولأن معلومات الإنتفاضة انبنت كلها على أكاذيب وتزوير، عادت كل الأمور إلى نصابها بعد عام الانتقال الذي أجريت بعده الإنتخابات، فالشيوعيون بعد كل الضجة التي أحدثوها دخل منهم البرلمان ثلاثة فقط، اثنان هما زعيما الحزب الأستاذ محمد إبراهيم نقد، والدكتور عز الدين علي عامر لهما الرحمة والمغفرة، وهذان دخلا في دائرتين مخدومتين بعناية فائقة، والثالث في دوائر الخريجين في جنوب السودان، أما البعثيين فلم ينجح منهم أحد، رغم ما صرفوا، وصرخوا، وفي ذات الوقت فإن الجبهة الإسلامية التي كرسوا جهدهم ضدها، عبر حملة (إسقاط جبهة بقايا مايو) فازت في أربع وخمسين دائرة هي أغلب دوائر المدن الرئيسة، وكل دوائر الخريجين تقريباً ، وفاز الحزبان التقليديان الأمة والاتحادي ببقية الدوائر، وكان أكثر من 60% من نواب حزبي الأمة والاتحادي من الذين كانوا مشاركين في مؤسسات مايو، وحتى رئيس مجلس رأس الدولة السيد أحمد الميرغني له الرحمة والمغفرة، كان عضوًا في المكتب السياسي للاتحاد الإشتراكي حتى سقوطه.
ولأن أبريل لم تبن على حقائق ثابتة، وأن الذين ورثوا السلطة لم يكونوا أهلاً لها، فسقط نظام ما بعد أبريل قبل أن تسقط حكومته، فكانت الحكومات والتحالفات تقوم على أوهن من خيوط العنكبوت، وينفك التحالف، وتسقط الحكومة لأتفه الأسباب، وكانت الكارثة الأكبر التي قاد الشيوعيون وحلفاؤهم إليها هي حل جهاز الأمن، وإعدام وثائقه ومستنداته، فهم كانوا يهدفون من ذلك مسح آثار تعاونهم مع الأجهزة الأمنية، وتآمرهم على القوى السياسية الوطنية، وعلى الوطن كله، فضاعت مستندات مهمة، ووقعت كوارث كثيرة بعد ذلك، وهذا ذات ما يسعون إليه اليوم عبر الحملة الشرسة التي يشنونها علي جهاز الأمن الوطني، وقادته ورموزه. ومن مخازي عهد أبريل أن حركة التمرد تمددت تمددًا لم تشهده من قبل منذ انطلاقها الأول في أغسطس عام 1955م، فصارت المدن تسقط الواحدة تلو الأخرى، وصارت حكومة أبريل تتخبط بلا وعي، وكان أكبر سقوط لها استجابتها لمذكرة الجيش في العشرين من فبراير عام 1989م، التي أقصت الجبهة الإسلامية من الحكم بأمر الجيش. وكان هذا هو الانقلاب الحقيقي على الديمقراطية، الذي قاد إلى الانقلاب الأكبر في الثلاثين من يونيو عام 1989م، وكان الراحل المقيم الشريف زين العابدين الهندي أول من تنبأ بسقوط حكومة أبريل يوم أن نعاها في آخر جلسة للبرلمان، في خطابه المشهور الذي قال فيه (إن هذه الحكومة لو اخذها كلب، لن تجد من يقول لها جر)
الأوضاع الآن مختلفة تماماً عن ما كان عليه الحال في العام 1985م، والحكومة تتعاطى مع الأحداث بوعي ومسؤولية، فعلي الرغم من أن الحكومة لم ولن تدخل في تحد مع المتظاهرين، إلا أن الحشد الذي كان قد أقامه مناصروها قبل فترة في الساحة الخضراء، أثبت أن الحكومة ليست وحدها، وأن جماهيرها ليسوا مثل جماهير الاتحاد الإشتراكي الذين غابوا يوم مسيرة الردع التي أشرنا إليها، ثم أن الحكومة لم تفعل كما تفعل النعامة، وتدخل رأسها في التراب، ولكنها اعترفت بالأزمة، واعترفت بحق الشعب في التظاهر دون تعد، أو تخريب، وأعلنت فتح أبواب الحوار على كل مصاريعها، ويوم أمس دعا السيد رئيس الجمهورية كل الفاعلين في الساحة السياسية، وكل أصحاب المبادرات، للتوافق على برنامج واحد ينقل السودان، من حالة الشد والجذب التي يعيشها، إلى وضع يتراضى عليه الناس كلهم أجمعين، ويتعارفون على منهج يعبرون به هذه المرحلة التي هي أشبه بمرحلة الانتقال إلى مرحلة استقرار كامل ؛ يكون فيها السودانيون قد وضعوا دستورهم الدائم لحكم البلاد، وإدارة كافة شؤونها، ويحدد بالطبع كيفية الوصول إلى السلطة، وكيف يتم تداولها بحرية وديمقراطية.
وفي مثل هذه الأوضاع تسقط أي دعاوى تقود الناس إلى المجهول، ولهذا لم ولن يستجيب السودانيون إلى أي دعوة تخرجهم عن المسار الموضوعي، وفي مثل هذه الأوضاع يجب أن تكون الحكومة واضحة وصريحة، وحاسمة، وبحمد الله تعالى أن الرئيس البشير صار يمسك بكل عناصر المسألة في يده، ولم يعد لأولئك الذين كانوا يسوفون، ويراوغون، ويلعبون مكان، فلقد انتهى عهد المراوغة إلى الأبد، فلا بد أن يضع حكماء السودان كلهم أياديهم فوق بعض، ويضعونها في يد الرئيس البشير الذي لا يراودني أدنى شك في صدقه، وعزمه على العبور بأهل السلام بسلام، وتسليمهم نظاماً للحكم سليم، (ما فيهو شق ولا طق) وبالله التوفيق والسداد