السبت، 6 أبريل 2019

مقالات:قراءة استراتيجية لحكم الأحزاب في السودان »4- 4»


*أزمة غياب الرؤية الاستراتيجية والانقسامات والتحالفات الهشة .
 جاءت الحكومة المدنية الثالثة في 1986م بعد فترة الحكم الانتقالي العسكري في أعقاب الانتفاضة الشعبية التي أنهت الحكم المايوي في 1985م حيث أجريت الانتخابات العامة تنفيذاً للميثاق الوطني الذي إتفقت عليه القوى الوطنية (الأحزاب  النقابات) فتحصل حزب الأُمة على 101 مقعد والحزب الاتحادي الديمقراطي على 63 مقعداً والجبهة الإسلامية القومية على 51 مقعداً والحزب الشيوعي على 3 مقاعد وتشكلت على إثر ذلك حكومة إئتلافية ضمت حزب الأُمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة السيد/ الصادق المهدي وجلست الجبهة الإسلامية القومية في كراسي المعارضة إلى أن عادت وشكلت حكومة ائتلافية من فبراير إلى ديسمبر 1988م مع حزب الأُمة القومي حيث خرج عن التشكيلة الحكومية الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي شهد في تلك الفترة صراع خفي بين زعمائه السيد/ الشريف زين العابدين الهندي من جانب وبيت آل الميرغني من جانب اخر .. إضافة إلى اتساع دائرة الحرب الأهلية بجنوب السودان حيث  احتلت في 1987م الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة د. جون قرنق مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق .. ومع اشتداد الصراع السياسي وحدة الاستقطاب السياسي دخلت القوات المسلحة السودانية المعترك وتقدم ضباط الجيش بمذكرة في فبراير 1989م تطالب بتسريع خطوات السلام وتدارك الموقف العسكري في الجنوب .. في عودة أشبه ب«لعبة الكراسي« عاد مرة أخرى الائتلاف الحكومي بين حزبي الأُمة والحزب الاتحادي الديمقراطي وخرجت الجبهة الإسلامية القومية إلى كراسي المعارضة في ديسمبر 1988م .. وظلت الاحداث هكذا إئتلاف ثم إختلاف ثم معارضة حيث لم تدم أيٍ من الحكومات التى تشكلت لفترة تمكنها من تحقيق انجازات تذكر ففي عام 1986 ائتلف حزبا الأُمة والاتحادي وفي مايو 1988م  الأُمة والجبهة وفي مارس 1989م الأُمة والاتحادي ..
* من خلال الفترات الثلاث المتقطعة لممارسة الحكومات المدنية للسلطة في البلاد والتي بلغت في مجملها 10 سنوات ونصف تقريباً ظهرت العديد من الصراعات السياسية مما أقعدها عن أداء دورها المناط وجعلها عرضة لدائرة استلام الحكم منها بواسطة القوات المسلحة (الانقلابات العسكرية) وتتلخص أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك في الصراع الحزبي والكيد السياسي بين الأحزاب الطائفية فيما بينها من جهة وبينها والأحزاب العقائدية من جهة أخرى والصراع داخل الحزب الواحد وعملية الإنشقاق والإندماج وكثرة الاستقطاب السياسي داخل المجموعات  المتنافسة كما لم تتمكن الأحزاب من وضع دستور دائم للبلاد يؤمن عملية تداول السلطة المدنية وديمومتها اضافة الى لجوء الأحزاب السياسية إلى تشكيل خلايا حزبية تتبع إليها بالقوات المسلحة حيث كانت كتلة المعارضة دائماً ما تلجأ إلى تحريك مجموعتها داخل القوات المسلحة للاستيلاء على السلطة .. بجانب عدم حصول أي من الأحزاب السياسية الكبرى  للأغلبية المطلقة في جميع الانتخابات التي جرت بالبلاد مما جعلها عرضة للائتلاف مرة والاختلاف مرة أخرى والانشقاق مرات عديدة .. والطامة الكبرى ميل الاحزاب السياسية الى ولوج العمل العسكري المسلح فظهر التجنيد الحزبي العسكري الذي تطور الى جيوش وحركات مسلحة تفرض اجندتها الحزبية عبر التفاوض مقابل وضع السلاح والرجوع للعمل المدني حتى انشأت مفوضية تعنى بالتسريح وإعادة الدمج ..
 *من نافلة القول ان الاحزاب السياسية السودانية مهزومة الفكرة قامت ونمت وترعرعت على رؤى منغلقة على ذاتها دون اهداف نابعة من تماسك التشكيل البنيوي الهرمي »المعكوس« اذ يمثل رئيس الحزب القائد الملهم الذي لا يقبل من العضوية في القواعد توجيه النقد لسياساته او تغيير مساره .. لذلك لم يشهد التاريخ السياسي الحزبي في السودان حزب اجرى تغييرا ديمقراطيا في رئاسته فالمؤسس يظل يحمل الراية ولاتسقط إلا ب«انقلاب« داخلي يقوده تيار من داخل الحزب لتبدأ دورة الانشقاق والتشظي الى مجموعات حزبية صغيرة »حويزبات«! ويظل الرئيس رئيسا للحزب »الأُم« مدى الحياة .!، حتى الاحزاب التي تدَّعي الحداثة يظل قادتها محل اقامة دائمة لاتقبل التبديل ..
*فشل الحكومات المدنية منذ فجر الاستقلال الأول في 1953م والذي بدأ منذ الحكومة الوطنية الأولى »حكومة الحكم الذاتي« وإعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 1955م وأول حكومة وطنية في اعقاب خروج المستعمر في الاول من يناير 1956م يُعزى لأزمة غياب الرؤية الاستراتيجية للأحزاب السودانية والانقسامات والتشظي والتحالفات الهشة مما جعل الاستقلال من المستعمر منقوصا تمخض عنه عدم توفر الثقة في الأحزاب السياسية السودانية وفاعلية المدخل الديمقراطي الليبرالي لممارستها للسلطة بالسودان مما باعد بينها والمواطن البسيط الذي لم تلبي طموحاته في تحقيق اي مشروع تنموي او اجتماعي او سياسي او دستوري يجعلها قريبة إليه ومرغوبة عنده لتدير عملية سياسية ناجحة بالبلاد وذلك بعكس الحكومات العسكرية التي استمرت ببعض الثقة والرضا الجماهيري في حكم البلاد لأكثر من 52 عاماً ونيف من جملة 61 عاما عمر استقلال السودان المجيد ..