نيوزيلندا بالمنطق التاريخي هي أمريكا ثانية، أي أنها تعرضت في الحملات الاستعمارية الكلاسيكية لإبادة جماعية كاملة، وتم إحلال المستعمر الأوروبي بدلاً من السكان الأصليين، الإحصائيات تقول أن 75% من سكانها هم أوروبيون قدموا عبر المحيطات في الموجات الاستعمارية الأولى.
رسالة القاتل برينتون تارنت، تحيل إلى هذه البدايات ولا تغادرها، رسالة مسكونة بالوعي الاستعماري، فيها تهديد للأتراك ودولتهم التي نشأت على أنقاض العاصمة الشرقية لأوروبا المسيحية القديمة (القسطنطينية)، ادعاء الحزن على كنيسة آية صوفيا التي استبدلت بالمسجد الشهير في تركيا، هواجس لصيقة للتطهير العرقي في الشرق الأوروبي البوسنة وكرواتيا وإشارات لحملات صليبية على عكا وغيرها.
مجموعة كبيرة من الرسائل الاستعراضية التي تتكئ على التاريخ الاستعماري المحتشد في الوعي الأوروبي حاول القاتل إيصالها من أجل أن يكون مشهد القتل مقدساً وعميقاً ودينياً صرفاً، أريد للمجزرة أن تتجلى مكانياً في «المسجد» كمكان للحدث من أجل أن تكون الرسالة واضحة. المسيحية في مقابل الإسلام. الغرب في مقابل الشرق. صراع حضارات بمنطق صاموئيل هنتجتون أو نهاية التاريخ على طريقة فرانسيس فوكوياما. محاولات بائسة لدغدغدة وعي خامد أو نائم في وجدان الشعوب أو إعادة بث الحياة فيه مرة أخرى.
على كل، سيكون أمر استنكار جريمة المسجد أمراً في غاية السهولة، وبالتالي سيكون الحدث عرضياً بكائياً بامتياز، من خلال انتشال المسيحية الأعم أو القومية الأضيق من مسرح الجريمة، بل وبكفاءة أكثر من محاولات تنكر المسلمين لجرائم مرتكبة باسم الإسلام في كنائس الفلبين ونيجيريا ومصر.
لا يمكن اعتبار ما حدث على أنه مأزق أخلاقي سياسي كوني سيعيد ترتيب أجندة العالم من جديد، ويعيد الاعتبار لمظلومية العرب والمسلمين نتيجة فجاجة التعميم الغربي وفرض منطق الإسلاموفوبيا إزاءهم، من الغباء افتراض ذلك أصلاً، بل وبالرغم مما حدث سيبقى المسلمون في دائرة الاتهام السهلة، إلى أن يجدوا وسيلة، بعيداً عن أدوات الاستجداء وسذاجة التحليل التاريخي، تنتشلهم من كل ذلك.
ربما !