الاثنين، 25 مارس 2019

أوراق من ذاكرة أمدرمان:فقاقيع ملونة:‎ ود فاطمة  (الحلقة الرابعة )


حميدة عبد الرحمن

أبلج الصبح بمحياه الباسمة وعبقه الذي ينعش الروح ، وقد تم إعداد وليمة سماية عبد الرحمن إعداداً متقناً وبكل أنواع الطعام الذي تشتهيه الأنفس وبكميات تكفي قرية ناوا والقرى المجاورة ، وعندما قاربت التاسعة صباحاً كان هناك ما يقارب  الثلاثمائة صينية ضخمة تملأ ساحات المكان الرحيب في مشهد مهيب يعكس كرم وسخاوة أهل ناوا، وقام الشباب بتوزيع الأدوار بينهم لملئ الصواني بمختلف الأطباق لأشهي أنواع الأطعمة المختلفة، فكان عمر مسؤولا عن وضع الكسرة بقدر في كل صينية بعد أن سلمتها له «ست النفر»  مطبقة في جردل ضخم فكان يمر أمام كل صف من الصواني ويضع المعلوم فيها وبنهاية آخر صينية يكون قد قام بدوره على أكمل وجه، بينما كان محمد علي يضع صحون السلطة التي أعدتها آمنة بمهارة وسرعة تحسد عليها، وهكذا تقسمت الأدوار، حسن الكمونية وشمت الضلع وعامر الرغيف المنزلي الذي أعدته النساء قبل صلاة الفجر، وهكذا وخلال دقائق تم توزيع الصواني على الجمع الغفير شيباً وشباباً نساءً وأطفالا.
كان يوم لا يمحي من الذاكرة ظل يذكره الكبار والصغار لسنوات، أكل الكل وشبع حتى الكلاب والقطط وصلت الحد الذي أصبحت فيه تنظر إلى اللحم دون أن يحرك فيها ساكناً.
هكذا كان ميلاد عبد الرحمن عظيماً، وكانت أخته نجاح لا تبرح غرفة أمها تغير لأخيها حفاضه وتلبي نداء أمها كل ثانية وتجلب لها الطعام والشراب، وتعطر الغرفة بعود الصندل وتقدم الكعك والحلوى والتمر والشاي والقهوة للضيوف، وهي في قمة الفرح والسعادة بمقدم أخيها والذي طالما تمنته وانتظرته طويلا، وكم كانت تتمناه عندما كانت طفلة ذات أعوام ثلاثة، فكانت تلعب وحيدة ويعايرها أبناء عماتها وخالاتها وصديقاتها بأنها وحيدة لا أخ لها مثلهن ، فكثيراً ما كانت تبكي وتطلب من أمها أن تلد لها أخاً وعلى وجه السرعة، فكانت أمها تسرح طويلا وتقول لها  «يابنيتي لا مرد لما أراد اللـه، الولادة قسمة وأنا رضيت بقسمتي، انتي بكرة تكبري وتبقي عروسة وأشيل بناتك وأولادك بحول اللـه».
كانت الصبية تبكي وتهرول بعيداً عن أمها فقد كانت لصغر سنها لا تعي كلام أمها عن القسمة، وظنت انها رفضت أن تلبي طلبها، وكثيراً ما كانت ترقد تحت العنقريب وتظل هناك إلى أن تضطر أمها إلى إخراجها نائمة ومتعرقة ومع مرور  السنوات كبرت نجاح وفهمت ما كانت تعنيه أمها واقتنعت  وقنعت، إلى أن كانت المفاجأة لها ولأبيها وأهلها جميعاً بأن  تحمل أمها جنيناً في أحشائها بعد سبعة عشر عاماً من الإنتظار.