ويعد الصوم الكبير من أهم الأصوام فهو يبدأ بأسبوع الاستعداد، ثم صوم الأربعين المقدسة، ثم صوم أسبوع الآلام يصل الصوم إلى أقصاه حيث يصوم البعض بالماء والملح فقط لكي يتفرغوا لقراءة الكتاب المقدس الذي هو هاجس كل مسيحي من أول الصوم إلى آخره، ويرى البعض أن خمسة وخمسين يوماً مدة طويلة، ولكن ترنيمة نحفظها منذ الصغر تقول الصوم الكبير يا أولاد الصوم يدوبك خمسة وخمسين يوم، صوموهم تنالوا البركات، وعلى الأغلب يحيا نسك الصوم كل أبناء الكنيسة ولا يستسنى من ذلك إلا المرضى الذين يأخذون موافقة الكنيسة في حل يقرأه الكاهن على رؤوسهم، وليس من حق أحد أن يزيد أيام الصوم أو ينقصها إلا بإذن أب الاعتراف.
أحد الرفاع الذي فيه يعد المسحيون أنفسهم للصوم، والإعداد فيه ليس فقط أشهى ما نأكل بل أشهى وأجمل ما نقرأ وما نسمع حيث يرتفع صوت الكنيسة قائلة: طوبى للرحماء على المساكين، فإن الرحمة تحل عليهم، والمسيح يرحمهم في يوم الدين، ويحل بروح قدسه فيهم، وتأتي قراءات الكنيسة من انجيل معلمنا متى البشير الإصحاح السادس عن الصوم والصلاة والعطاء، ويقول متى صنعت صدقة، متى صليت، متى صمتم، والمؤكد أن هذه الأقوال تعني عندما نكون في حاله عطاء الصدقة، عندما تكون في حالة نسك الصوم، عندما تكون في روحانية الصلاة فإن هناك أموراً روحية تلتزم بها فلا تتظاهر بهذه الفضائل، بل كل شيء تفعله في الخفاء، شمالك لا تعرف ما تفعله يمناك، ليست الصلاة كلمات كثيرات خاويات، ولا تصوت قدامك بالبوق وأنت تتصدق، ولا تغير وجهك لكي تظهر للناس أنك صائماً، إنما قصد الله في كل هذا وهو أن الذي يرى خفاياك ويعطيك خيراته علانية.
كانت الأديرة تطلق بعض الرهبان في الصحارى وشقوق الأرض والتي كانت ممتلئة بالنساك وكانوا ينادون أن الصوم الكبير سيبدأ مثلاً في الأحد القادم للتنبيه،لأن بعض هؤلاء النساك فقدوا الاحساس بالزمن وصارت لقاءاتهم الروحية مع الله لا تهتم بالزمن، وقد قالوا إن ناسكاً خرج من مسكنه يسأل عن أي شيء تنادون أيها الرهبان فقالوا عن الصوم الكبير فرد عليهم الناسك أن حياته كلها صوم كبير لأن الراهب هكذا يفقد رغبته في الأكل ويتنامى إحساسه بالصوم، حتى يصبح الصوم عنده أهم من أي شيء، وهنا تخف كثافته الجسدية وتنمو كثافته الروحية.
أقباط السودان: وأقباط السودان مثل أقباط مصر يصومون ويتنسكون ويتعبدون لله، وعندما يبدأ الصوم الكبير يتغير سلوكهم وتتغير موائدهم، ويبدأون بالفعل في التفرغ للعبادة وقراءة الكتاب المقدس، ويحضرون قداسات يومية عندما تنتهي وقتها لا يعني هذا أن يفطروا بل من الممكن أن يستمروا لأكثر وقت ممكن، واذكر أننا في طفولتنا كنا نصوم حتى عندما تختفي الشمس وتظهر النجوم وكان حبنا للصوم ونحن في السادسة ربيعاً يجعلنا نتحمل الصوم، وكل مناوراتنا نبدأها عندما تظهر النجوم وكنا نلتزم، إن لم يرَ كل أعضاء البيت نجوم السماء هذه لا نفطر.
قال الشيخ العتباني في كتاب تاريخ مدينة الخرطوم تحت الحكم المصري إن شعار موائد الأقباط إذا اطعمت فأشبع وأن المائدة التي تقام لعشرة أفراد كانت تشبع العشرين أو الثلاثين، وتحدث الكتاب عن موائد الأقباط في الصوم الكبير والصوم الصغير، وهي طبعاً موائد قبطية لأن أقباط السودان حتى الآن عندما يقيمون تذكارات لرحيل الراحلين منهم يصرون أن يقدموا لكل المسلمين والمسحيين موائد قبطية تصوم عن كل الدسم الحيواني، وأهل السودان يعتزون بذلك ويفهمون تمسك أقباط السودان بمباديءكنيستهم المجيدة.
وأذكر أن كنيسة الشهيدين استضافت مجموعة محاضرات قدمتها خبيرة أمريكية في المناهج الدراسية، وبينما كنا نسمي المنهج سيلابس syllabus ، كانت هي تسمي المنهج كريكلوم curriculum،وعندما انتهى البرنامج طلب المنسق الممتاز في المناهج الدراسية الأستاذ الشيخ ذكري رزق، أن يحضروا كيكاً وجاتوه لهذه المناسبة ولكني شكرته وقلت هذه مهمتنا نحن، وكنا وقتها في صوم ولا يجوز أن نعمل حفلاً إفطارياً في الكنيسة وطلبت من بعض السيدات التجهيز لهذا الحفل فليعدوا كيكاً ومأكولات جميلة صيامية، واذكر أن المسؤولة الأمريكية قالت في كلمتها الختامية، أنها تشكر كنيسة الشهيدين على الضيافة السخية كل أيام الاجتماعات الدراسية للمنهج، وذكرت أنها تشكر الآب فيلوثاوس الذي يحترم كنيسته، ونحن أمام هذا نحترم تقاليد الكنيسة الأصلية التي بدأت في القرن الأول الميلادي منذ بشارة مرقس الذي استشهد سنة 68م بينما نحن بدأنا بعد هذا بكثير .
وارفع قلبي مهنئاً كل أقباط السودان في السودان وخارج السودان وارجوا أن يبدأوا صوماً طاهراً مقبولاً أمام الله، أن ينادوا بالصوم الكبير الذي لانصومه إلا إذ كنا كباراً أمام الله يقدسوا صوماً ينادوا باعتكاف، متذكرين قول أشعياء النبي في القرن الثامن قبل الميلاد الذي كان زعيمنا السوداني بعانخي مؤسس المملكة المتحدة حافظاً لأقواله التي كانت شعراً، لقد قال عن الصوم في الإصحاح الثامن والخمسين شعر عبراني: أليس هذا صوماً اختاره حل قيود الشر فك عقد النير، وإطلاق المسحوقين أحراراً وقطع كل نير، أليس أن تكون تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك إن رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك ويستمر أشعياء ليؤكد أن الصوم فيه صحة وعافية فيقول حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت سريعاً صوماً مقبولاً وصحة جيدة فيه، وبركة متواصلة لكل أقباط السودان.