قبل بضع سنوات وقف الوزير حديث العهد بالوزارة يقرأ بيانه على أعضاء البرلمان بصوت متهدج. والدمع يكاد يطفر من عينيه، بيانه حول أموال الأوقاف المنهوبة. إلا أن القضاء ما لبث أن برأ ساحة الوزير السابق ازهري التجاني ومدير أوقافه الطيب مختار من تهمة الاعتداء على أموال الأوقاف داخل وخارج السودان.
المزاج الغالب لدى بعض أو جل وزرائنا ومدرائنا العامين الجدد ينحو باعتلاء سلم المجد على أشلاء من سبقهم بمعاول الهدم والإبادة لكل انجاز سابق. ويفهم كل لماح وفطن بعد ذلك أن دموع الوزير تحت قبة البرلمان على اللبن المراق في هيئة الأوقاف إنما هي دموع التماسيح, وحرب غير مقدسة لإعتلاء مجد متوهم. أكثر من شاهد ودليل على دموع وزراء على منابر الخطابة لإستدرار العطف واستجداء المشاعر هروباً من أزمة كانت من صنع أيديهم وأضرت بالمواطن تناقلتها الصحف من قبل. ووزير آخر يبكي مغادراً الوزارة في تعديل وزاري على أن الانقاذ درجت على مداواة جروح منسوبيها فما يلبث الوزير الذي فقد منصبه قد استرضته بمنصب آخر.. فتتعجب والواحد منهم يتقلب في المناصب ورغد العيش سنين عددا. وأنت تحاول العثور على الخيط الذي يفصل بين الجمهورية والسلطنة.. وهو تخليط وراءه حزب المؤتمر الوطني بحسبانه الحزب الحاكم على وجه القطع واليقين.
الساعات القليلة الماضية أعلنت وزارة الخارجية عن إعادة تعيين سفراء ثلاثة جهابذة أطاح بهم التعديل الوزاري زرافات أو وحدانا. كما هو معتاد عن كل غريب وافد على السلك الدبلوماسي من أهل الشوكة في وقت يحاول فيه رئيس البلد لفظ تداعيات التمكين.. ومن ذلك الفصل من الخدمة للصالح العام حتى تحقق المثل الشعبي السائر بين الناس »جدادة الخلاء طردت جدادة البيت« .. وأضحى الشعار الذي رفعه وزير الخارجية عن هيكلة الوزارة حبرا على ورق. والحديث عن تقليص حجم سفاراتنا بالخارج لضيق ذات اليد موضع تساؤل.. بكى وزير في حضرة مودعيه.. ثم عاد وزيراً. في موقع بديل. وهو سعيد بذلك ولكنه سوف يكون اكثر سعادة لوعاد سفيرا بالخارجية ليتمتع بجبال الألب الساحرة في سويسر لو قدر له العمل هناك كالوزير الاسبق سعيد الحظ (فلان الفلاني)!.
حدثتكم من قبل عن اغلاق النميري لعدد من سفاراتنا بالخارج على لسان وزيره المتجول عمر ياسين.. وعن اموال ضرائب المغتربين التي كانت لا تدخل خزينة الدولة وانما كانت توجه رأسا من سودان المهجر لسفاراتنا بالخارج على لسان وزير مالية سوار الدهب المرحوم عوض عبد المجيد، فما أشبه الليلة بالبارحة..!!
في هذا التوقيت تجيئ دعوة احمد هارون رئيس المؤتمر الوطني بالوكالة لقطب الحزب ووزير الخارجية الأسبق ابراهيم غندور لما أسماه الخروج من عزلته.. وهي دعوة معلولة لأن ما يلزم الخروج من عزلته هو المؤتمر الوطني تجاه غندور وليس العكس.. كما هو متعين تجاه الوطن كله ان يخرج الحزب من عزلته, فغندور كانت لديه مواقف مبدئية في عمله كرئيس لاتحاد العمال اولاً لا تنسجم مع توجهات الحزب الذي استنوق نقابات العاملين ودجنها. فقد شهدنا جميعا كيف قاتل غندور بضراوة وزراء المالية من أجل حقوق العمال.. حتي ان الرئيس اطلق عليه لقب (الغواصة)) عقب تعيينه مساعدا للرئيس عطفا على مواقفه في اتحاد العمال والتي ستتواصل في تقدير الرئيس عبر منصبه الجديد كمساعد للرئيس. ثم جاء الحزب ليتدخل في شؤون وزارة الخارجية ويفسد على الرجل مواققه المبدئية تجاه ادارة الشأن الداخلي للوزارة, وعمله الدبلوماسي بالخارج .فالحزب تعنيه مصالحه السياسية الراجحة مع دول الجوار وغيرها خصما علي قضايا الوطن والمواطنة. فبينما كان لغندور موقف واضح من احتلال حلايب وشلاتين والفشقة (مثلاً) كان الحزب يمشي على استحياء جنب الحيط. هاهم الآن يشجبون طرح عطاءات للتنقيب عن النفط في حلايب وشلاتين. (يشجبون فقط) ثلاثين عاما من تخذيل الحزب والتهريج السياسي تكفي يااحمد هارون.. وقد اكثر الوزير الأسبق علي كرتي من القول ان حلايب منطقة تكامل.. وكرتي رجل اعمال لا يشق له غبار وانا سبق ان كتبت اقول ان عمل رجال الأعمال كوزارء للخارجية قد يتعارض مع مصالحهم التجارية في الدول الخارجية. لدينا اوقاف اسمها (الأوقاف السنارية) في مصر منذ عهد المملكه السودانية وفق ادارة الاوقاف ذكرتها لعلي كرتي في صالون الراحل سيد احمد خليفة الذي عقدناه في مقر سفارة السودان الجديد بالقاهرة في حضور السفير وجمع من الأخوة صحفيين ومسؤولين من مصر والسودان وفوجئت بأن الوزير كرتي لا يعلم عنها شيئا !،وطلب مني موافاته بمزيد من المعلومات عن الأوقاف السنارية في مصر وهي اوقاف معلقة. وسألناه عن بيع بيت السودان في لندن الذي ضاعت معالم بيعه بين الحزب والوزارة.. مثله ومثل خط هيثرو والخطوط السودانية ومابجري في مينائي سواكن وبورتسودان..واللغط حول الخطوط البحرية وجميعه من كوارث الحزب الذي ولد توأما سيامياً ملتصقا بجسد الجهاز التنفيذي. في انتظار جراح ماهر لفصل التوأمين كالدكتور فهد الربيعة مدير مستشفي الملك فيصل التخصصي بالرياض ثم وزير الصحة السعودي لاحقا الذي كرمني بشهادة تقدير إبان عملي الصحفي بالسعودية اجدها مناسبة لتحيته من علي البعد..
اليومين الفائتين اصدر البشير قرارا بتعيين احمد هارون مساعدا للرئيس فضلا عن رئاسته للوطني بالوكالة.. وهويشكل مع صنوه محمد طاهر ايلا ظاهرة لا تشبه الحزب لجهة إعمال الارادة واتخاذ القرار بمعزل عن تأثيرات الحزب والمجلس التشريعي لإعلاء شأو وقيم العمل التنفيذي. (حمد والديبة حاجه عجيبة).. نامل ألا يستقوي احمد هارون بمنصبه السياسي على منصبه التنفيذي فيقحم الحزب في العمل التنفيذي وتعيين الدستوريين بعد ان تم عزل الحزب.