الأحد، 31 مارس 2019

مقالات:تأملات:الخرطوم.. كل شيء متوقع فيها


يحكى أن الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري له الرحمة والمغفرة تحدث للزعيم الحكيم المرحوم عمنا الناظر بابو نمر يرحمه الله باشفاق لم يخف مخاوفه من توتر تشهده منطقة أبيي حينا بعد حين للصراعات التي تنشأ أحيانا بين المزارعين والرعاة في المنطقة، فطمأن الناظر الرئيس يرحمهما الله، وقال له (نحن بلدنا قادرين عليها، الله يقدرك علي حلاًّلك التلاتة) والحِلاًّل جمع حلًّة بكسر الحاء، وتعني القرية، ويعني بها مدن العاصمة المثلثة آنذاك الخرطوم وأم درمان، وبحري.
طبعا اليوم العاصمة صارت مسبًّعة، بعد استنساخ أربع محليات جديدة هي أُم بدًّة، وكرري، وجبل الأولياء، وشرق النيل، وسكانها الذين لم يكونوا قد تجاوزوا  في ذاك الزمان بضعة مئات آلاف، صاروا اليوم بالملايين، وتبلغ نسبتهم ما يقارب نصف سكان السودان، ورغم أن عددهم لم يكن يذكر في ذاك الزمان، إلا أن ناس الأقاليم كانوا يسمونها كرش الفيل، لسعتها واتساع دائرة تصنيف الذين يسكنونها، ويسميها أهل وادي حلفا، وبعض أهل كردفان السودان، وآخر ما وصفها به اقليميو هذا الزمان أنها (محل الرئيس بنوم والطائرة بتقوم) وقضايا واحتياجات ومشكلات الخرطوم وأهلها، لا تشبه مثيلاتها في كل بقاع السودان الأخرى، ولن أكون مجافيا للحقيقة لو قلت أن مسؤوليات الذي يتولي حكما في ولاية الخرطوم، تفوق مسؤولية أي مسؤول اتحادي، لا سيما في ظل نظام الحكم الفيدرالي القائم الآن في البلاد، والذي يجعل مسؤوليات أكثر الوزراء الاتحاديين تنسيقية واشرافية. 
كان كثيرا ما يشغلني التفكير في الكيفية التي يواجه بها حكام ولاية الخرطوم هذه المسؤوليات الجسام، إلي أن أتاحت لي بعض الظروف والمناسبات الوقوف علي بعض تجارب حكام ولاية الخرطوم، فصديقنا الزين جودة الله ذلك الشاب الذي يعرفه أهل قلب أُم درمان ويحبونه للمعاملة الطيبة والتعامل الراقي الذي يمتاز به، وكل العاملين معه في مخبز حجوج للحلويات في سوق الصور بحي الملازمين العريق في أُم درمان، أصاب شرايينه عطب استدعى تركيب دعامتين للشرايين تكلِّف مائة وخمس واربعين ألف جنيها في مستشفي أحمد قاسم، فلم يتوانى أهله وزملائه في المساهمة، ولأني واحد منهم سعيت لاستثمار علاقاتي الرسمية في تيسير هذا الأمر، وكانت مديرة مستشفى أحمد قاسم الدكتورة الرائعة هدى حامد هي أول من قصدت، وكانت كما توقعت عند حسن الظن بها، فقدمت له تخفيضا معقولاً، علمت فيما بعد أنها تفعله لأكثر الذين يقصدونها، إن لم يكونوا كلهم، ثم أوصتني بالذهاب إلى التأمين الصحي، والعلاج الموحد الذي يرعاه ديوان الزكاة، ونصحني أخي الإعلامي المتميز الحبيب علم الدين عمر بالذهاب إلى وزيرة التنمية الاجتماعية بالولاية الدكتورة أمل البكري البيلي، وأمل أحفظ لها صورة زاهية في ذهني، وفي وجداني، وهي من أكثر المسؤولين معرفة بالدور المطلوب منهم، وتؤدي دورها بكفاءة وحب نادرين، وكنت قد وقفت على كثير من تجاربها الرائعة في خدمة قطاع الصحافة، من خلال شراكتها مع الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، وشركة جياد للسيارات، ويعينها في ذلك ساعداها القويان الصديقان الدكتور عبدالسميع حيدر مدير مؤسسة تنمية الصناعات الصغيرة، والمهندس الخلوتي مدير صندوق الإسكان بالولاية، وينشط معها من جانب الاتحاد بت القبائل حياة حميدة، ورفيقتها محاسن بت ملوك النيل، ولم يكتف علم بالوصية، وإنما اتصل بالدكتورة البيلي، وحدد لي موعد معها بعد ساعة زمن واحدة فقط، وهو الزمن الذي كان يكفيني للوصول إليها، فأحسنت مديرة مكتبها (تيسير) استقبالي، وتوصيلي إلى مكتب الدكتورة، التي افاضت في حسن الإستقبال، ووجدت أن الأمر أيسر مما كنت أتوقع، فهناك آلية واضحة ومعلومة، والعاملون فيها يؤدون واجباتهم على أكمل شئ، ولم تفعل الوزيرة أكثر من أنها دلتني على طريق آلياتها، واتصلت بالمسؤولين هناك لخدمتي حسب اللوائح والنظم، ولم يفعلوا أكثر من اللوائح والنظم التي تتيح لكل مواطن أخذ حقه الذي يستحقه، وشكرتني، دكتورة أمل على مساعدتي لهم، لأنني دليتهم على مواطن له حقوق عندهم يستحق أن يأخذها، ولا بد أن أشيد بكل الذين قابلتهم بلا إستثناء، ليس لأنهم قدموا لي خدمات سهلة وميسرة، ولكن لأنهم يتفانون في خدمة كل من يصل إليهم، وأخص بالشكر من تعرفت عليهم، مدير التأمين الصحي الدكتور عمر، ومدير ديوان الزكاة بالولاية الأستاذ بلة، ومديرة إدارة العلاج الأستاذة ليلى التي استعدت معها ذكريات أيام جميلة مرت عليها سنين عددا، كانت هي طالبة ناشطة في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وكنت حينها مسؤولاً عن المناشط في أمانة الطلاب بالحركة الإسلامية، ولابد من تحية خاصة إلي الموظف الذي يستقبل الرواد في مدخل إدارة العلاج الموحد في شارع 33 بالعمارات، ويحسن استقبالهم، وخدمتهم، وتحيات زاكيات إلي كل العاملين في مستشفى أحمد قاسم (بدون فرز) ونخص بالذكر منهم الأخ عمر في خدمات المرضى، وهناك آخرين كثر لو عرفت أسماءهم لذكرتهم فردا فردا، والشكر من بعد الله لقائد النهضة الصحية في ولاية الخرطوم البروفيسور مأمون حميدة.
ومن أحداث الخرطوم الأسبوع الماضي الدورة العشرون لمهرجان البقعة المسرحي، الذي يقف خلفه ابن عمي الحبيب الفنان السفير السيد علي مهدي نوري السيد عبدالكريم، وتلك قصة طويلة لا يسعها المكان، ولكن تكفي هنا الإشارة إلي الرعاية والانفعال الصادق الذي وجده المهرجان من ولاية الخرطوم، ورغم أن الولاية تفعل ذلك كل عام، إلا أن تضافر عوامل عدة اجتمعت هذا العام جعلت رعاية هذا العام بطعم الشهد، فقائد مسيرة الولاية أخي الفريق أول شرطة هاشم عثمان الحسين، يضيف لكل شئ يدخل فيه لمسات تزيده ألقا وبهاء، وأعانه على ذلك كل طاقم وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بالولاية، بقيادة ود أُم درمان الوزير الهمام الهادي حسن عبدالجليل، وهذا هو الهادي منذ أن عرفته يافعا، مبدعا، ومقداما، والمدير العام الفنان عماد الدين إبراهيم، ويكفي معرفة لعماد إنا سافرنا في رحلة امتدت لأربعة شهور طفنا فيها عددا من مدن السودان قبل أكثر من ربع قرن من الزمان، وكانت رحلة مترعة بالفن والفكر والإبداع، ثم نائب المدير العام أخي الحبيب عابد سيد أحمد، ويكفي أني كنت أتحدث يوم أمس مع أحد الفاعلين في قطاع الثقافة والإعلام عن الأخ عابد، فقال لي هذا الأخ أن الوزارة بعد عابد صارت (غير) فلا يكاد يقوم منشط ثقافي او إعلامي في الخرطوم، إلا وتجد عابد أمامه أو خلفه، أو الإثنين معا.
ومما زاد المسألة ألقا وبهاء أن ضيف شرف المهرجان أستاذ الأجيال السر أحمد قدور الفنان الشامل، الذي قدم كلمة صارت هي محور المهرجان، التقطها نائب الرئيس الرائع السلطان عثمان محمد يوسف كبر، وقبله الوالي الفريق العميق، الذي يقوم بأعمال عظيمة في هدوء شديد، فالتقط هاشم وصايا السر قدور قائلا، (أحلام سعادتك أوامر، والسر قدور هو سيد هذا اليوم) فوجه هاشم تعليماته الى حبيبنا الإعلامي الفنان المثقف الدكتور العميد شرطة ابوعبيدة عبد العزيز العراقي، معتمد أُم درمان، الذي بدأ منذ صباح اليوم التالي في تحويل الأحلام إلي واقع، وهكذا تسير الأشياء في الخرطوم في عهد أخينا هاشم وإخوانه الميامين. ونحن معهم، وأمامهم، ومن خلفهم، والفورة مليار.