الأحد، 17 مارس 2019

مقالات:تأملات:الترابي.. ثلاثة أعوام على الرحيل


حسناً فعلت أسرة شيخنا الراحل المقيم الدكتور حسن عبدالله الترابي، وأحباؤه، وإخوانه، وتلاميذه، وأنصاره من الإسلاميين والشعبيين بقصرهم إحياء ذكرى رحيله على العام الأول فقط، ولم تكن ذكرى رحيله بكائية، وإنما كانت وقفات تأمل في سيرة الرجل، وكان شعارها (الأثر الباقي) هو الأنسب للمناسبة، ولأن آثار الشيخ الترابي الباقية تتجدد بالأيام والأحداث، فذكراه الثالثة مناسبة طيبة للوقوف على بعض تلك الآثار الباقية.
عندما تلقينا خبر وفاة شيخنا له الرحمة والمغفرة قبل ثلاث سنوات، كتبت نحو عشرة مقالات عفوية، وما كنت أظن أنها ستبلغ هذا العدد، وكانت جملة خواطر كتبتها تحت عنوان (عبقريات الترابي) وذكرت فيها بعض المشاهد والمواقف العبقرية التي كنت شاهدًا عليها، ولقد جمعها الأخوة الذين وثقوا لأقوال الرحيل، وجعلوها ضمن السفر التوثيقي المهم الذي جمع كثيرًا مما كتب عن الشيخ بعد رحيله.
وفي ذكرى رحيله الثالثة تحضرني كثير من المواقف العبقرية لهذا الرجل الاستثنائي، ويتقدم ذلك بعض الأمور المهمة التي سبق بها كثيرين غيره، ولو أنهم تعاملوا معها وفق رأيه ورؤيته، لتبدلت مشاهد كثيرة. أول ذلك اهتمامه بالشباب، ولا زلت أذكر قبل أكثر من أربعين عاماً وكنا لا نزال وقتها طلاباً في الجامعات المصرية، أعمارنا لا تتجاوز العشرين إلا ببضع سنوات، كان يفرد لنا زمنا عزيزًا من وقته الثمين عندما نأتي في العطلات الصيفية، وكنا نحس عنده بقيمتنا، وكان يغرس ذلك فينا غرساً، وكان هذا هو شأنه مع كل القيادات الطلابية والشبابية.
كان له الرحمة والمغفرة يولي سكان المناطق البعيدة اهتماماً كبيراً، خصوصاً الذين يشعرون بأن ظلماً واهمالاً  قد أصابهم، وكان له اهتمام وتقدير خاص لأهل غرب السودان، وأذكر في مطلع العام 1983م، وكنت وقتها مسؤولاً عن مكتب المناشط في أمانة الطلاب، وكان طلابنا الإسلاميون قد فازوا بمقاعد اتحاد طلاب جامعة جوبا، فصممت أسبوعاً ثقافياً ننفذه عبر الاتحاد في جامعة جوبا، في مدينة جوبا حاضرة الإستوائية وحاضرة جنوب السودان كله، وأجازت أمانة الطلاب بقيادة الدكتور إبراهيم أحمد عمر الفكرة، فرشحت للمشاركة في فعاليات الأسبوع الثقافي، الشيخ الترابي، والدكتور علي الحاج، واللواء جوزيف لاقو، واللواء جيمس طمبرة، والسيد محمد داود الخليفة، والبروفيسور محمد عمر بشير، فاعترضت أمانة التنظيم على سفر الشيخ، فسألني الشيخ عن المنفذ للمشروع من أعضاء الاتحاد، فأخبرته أنه سكرتير الاتحاد الثقافي من أبناء دارفور، اسمه حسين اركو مناوي، وهو الشقيق الأكبر لمني، طبعاً مني لم يكن وقتها شيئاً  مذكورًا، فطلب مني الشيخ مواصلة الإعداد وقال لي إن (أولاد دارفور بيعرفوا الشغل) وأمرني ألا اهتم لأقوال المتحفظين، وبالفعل قام الاسبوع وشارك فيه الشيخ، وكانت تلك أول زيارة له لجنوب السودان.
لقد انتبه الشيخ باكرًا لخطورة الإنتماء العضوي للتنظيم العالمي للأخوان المسلمين، ورفض مبايعة المرشد العام، وفتح هذا الموقف علينا أبواب جحيم الأخوان المصريين، ودفعنا نحن الذين كنا ندرس في مصر ثمن ذلك غالياً ، إذ احتووا المنشقين عن التنظيم، الذين حافظوا على الاسم  (الإخوان المسلمون) وحاربونا حرباً شرسة، وسعوا لتوجيه منابر الإسلاميين في مصر ضد أفكار الشيخ، وسعوا في ذلك مع الشيخين الأشهرين الشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبدالحميد كشك، لكنهما ردوهم خائبين، فكان الشيخان الجليلان يعرفان قدر شيخنا، ويعرفان كسبه المتفرد من الفكر والتجديد، وأصدر الشيخ محمد الغزالي كتاباً  بعنوان (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) ناصر فيه كثير من أفكار وآراء الشيخ الترابي لهما الرحمة والمغفرة. وموقف الشيخ هذا من التنظيم العالمي هو الذي حرر الحركة الإسلامية السودانية،  وجعلها تتفوق على نظيراتها في المنطقة، وفي غيرها.
وكان الشيخ الترابي يهتم بما لا يهتم به غيره من الإسلاميين والدعاة، وكان يولي كل العناصر الفاعلة في المجتمع الاهتمام الذي تستحقه، ومن ذلك اهتمامه بالفن والفنانين، وأذكر عندما أعلن الرئيس نميري القوانين والتشريعات الإسلامية في سبتمبر عام 1983م، طلب مني دعوة أحد الفنانين المثقفين لمناقشته في أثر تطبيق الشريعة الإسلامية على حركة الثقافة والفن في البلاد فرشحت له الأستاذ عبدالقادر سالم، وكان يشغل وقتها منصب السكرتير العام لاتحاد الفنانين، وأخذته معي إلى الشيخ في سكنه في البيت الحكومي بالنقل النهري في بحري، فأبدى الأستاذ عبدالقادر سالم موقفاً  إيجابياً من الشريعة الإسلامية، لكنه تحفظ على زمن انتهاء الحفلات في الحادية عشر مساء ؛ لأن ذلك سوف يؤثر على (عداد الفنانين)
مثلما كان الشيخ الترابي يرحمه الله منفتحاً  في أفكاره، كانت رؤيته للتنظيم أيضا مفتوحة، فلم ينغلق على شكل معين، بل كان دائماً يسعى إلى أن يتسع التنظيم إلى غير الإسلاميين، وإلى غير المسلمين كذلك، وكان في كل تجربة يزداد انفتاحاً، ابتداءً من جبهة الميثاق الإسلامي، ثم الجبهة الإسلامية القومية، فالمؤتمر الوطني، وأخيرًا كانت دعوته الأوسع لبناء المنظومة الخالفة، التي مات دونها، وتركها أمانة في أعناق كل الإسلاميين من بعده.