
حميدة عبد الرحمن
مرت الأيام سراعاً. . . . وجاء اليوم المنتظر (سماية عبد الرحمن) والكل فرح وجذل ولم يذق طعم النوم في ليلة الخميس رجلاً كان أم امرأة. . . عدا كبار السن والأطفال، فقد كان الكل منهمكاً فى التجهيزات لصباح الجمعة وحتى لا يتسلل النعاس لعيون الحاضرين أعدت أم الحسن متكئاً في باحة حوش النساء لحسنة تلك المرأة المشهورة بلقب المبروكة والبارعة في صناعة وإعداد القهوة للجميع بمساعدة ثلاث من النسوة خفيفات الظل والوزن واستلمت المبروكة دفة الأمر بعد أن أحضرت لها ابنتها البنبر الوسير وكان ضئيلاً. ..صغيراً تكاد تسمع أنينه تحت وطأة جسمها الذي تكدس باللحم والشحم ولم يجد حلاً أو بدأ من الغوص في رمال المكان المبتلة فتشبث بالأرض حتي منتصف أقدامه الأربعة وهو يناجي الخالق بالرحمة. ..وعندما استقر بها المقام وثبت جسدها المرتجف ارتفع صوتها بالنداء لابنتها لتحضر لها المنقد و الصاج الكبير والكمشة نظراً لكمية البن والذي قامت بفرزه وغسله وفركه بقليل من زيت السمسم النقي ليكتسب اللون البني الداكن عند قليه و في دقائق قليلة فاحت رائحة البن الطازج والذي تم قليه علي نار هادئة وعطرت المكان وكانت بمثابة اكسير بث النشاط والحيوية وسط الكل.
و بعد أن برد قليلاً هيأت المبروكة نفسها لدقه في الفندق الخشبي الضخم والمصنوع من خشب المهوقني القوي خصيصاً للمناسبات الكبيرة وبدأت تدق البن بيد نحاسيه غليظة. . . لامعة وبإيقاع منتظم وثابت بينما كان الخلخال المثبت في الحلقة الحلزونية الأخيرة من الفندق الخشبي والمكون من فلل ومفاتيح صغيرة يصدر رنينا وايقاعاً متناغماً مع دقة يدها بينما أمسكت اثنين من النسوة بفناجين فارغة بالإبهام والسبابة محدثات إيقاع ثالث مختلفاً فشكل كل ذلك نغماً رائعاً وكأنها فرقة أوركسترا كاملة تؤدي معزوفة موسيقية، وماكان يدهش في الأمر حقاً حدوث ذلك الإيقاع المنتظم المرتب والمموسق على الرغم من أن كلتا المرأتين لم يكن ينصتن له أو يعرنه ولو قليل من التركيز بل كانتا تتجاذبان أطراف الحديث عن أمور مختلفة بينما لم يؤثر ذلك في رتابة العزف أو حلاوته. بينما كانت تتصاعد كل أنواع الأبخرة وروائح العطور من جاولي وعدني وبخور التيمان المسبع وكليت وغيره من المباخر الطينية المصنوعة من الفخار الملون. ..والمنتشرة في أركان الحوش بينما احتل الشرقرق الضخم مكانه على الجمر الذي تحول للون الشفقي الداكن وبدأ في الغليان استعداداً لاستقبال مسحوق البن والبهار المعتق من زنجبيل وهبهان وغيره حسب ذوق الصانع. ..
وبذلك اكتملت اللوحة وسحر الجو بقية الحضور من النساء اللاتي تركن ما بأيدهن وانضممن للجلسة التي اتسعت دائرتها خاصة عندما صدحت علوية وكانت تنتمي لشرق السودان بتلك الأغنية التراثية (سوي الجبنة يابنية )...بصوت ساحر أخاذ. ..
سوي الجبنة يابنية في ضل الضحاوية
الجبنة التسويها حالف مابخليها
البن حبشي مامصري. . . والعاشر يكون بكري
التلقيمة للإخوان ميه وأربعين فنجان
حكمك ذي نجيب أولي
الشال فاروق من الدولة
فاروق بدبابيرو بحرسو وصفافيرو
سوي الجبنة جارتنا مابنخسر تجارتنا
فنجان جبنة بشمالو يسوي الدنيا بحالو
وأسرعت أم الحسن بإحضار السجادة الفارهة والمحببة لديها وكانت تعتبرها جزءاً من طقوس شهر رمضان حيث تتسع لأكبر عدد من الأفراد وفرشتها في باحة حوش النساء وغطت الفرحة والبهجة وجوه الحاضرات من قبائل السودان المختلفة واللاتي أتين من مختلف قرى الشمال بدعوة من أم الحسن وطربن طرباً شديداً لهذا الغناء الذي لم يألفنه من قبل، بينما تحمست المبروكة واجتهدت في إتقان دقة البن مع حركة وصوت الخلخال في قعر الفندق بينما بذلت الأخريات مجهوداً إضافياً لإصدار لحن مموسق بالفناجين وتركن الونسة الجانبية وبدأن في الاصتنات والتركيز، فلم تجد علوية بداً من ترديد الغناء لأحداث طرب وبهجة واختلطت رائحة البن المقلي في المكان الرطب بعبق الروائح والأبخرة والعطور الفائحة من ثياب النساء. . وبدأت المبروكة في صب القهوة في الفناجين المتحلقة حول الجبنة الضخمة والمصنوعة من الفخار وقد تدلت من عنقها الطويل قلادة من السوميت الفاخر الملون والمنظوم بدقة وذوق فائقين وتتوسط الصينية متربعة علي قمة الوقاية المرصعة بالسكسك الملون والملفوفة كعمامة اتقن صنعها بينما ينتشر عدد من السكريات المملوءة بالفول السوداني والطحنية والسكر والفيشار والعجوة الطازجة وعلى كل اختيار مايحلو له.
وتحولت جلسة الجبنة لاحتفائية رائعة أظهرت العديد من مواهب الرقص الخفية لنساء قرية ناوا وفن العرضة للرجال في الحوش الخلفي وقد اطربهم غناء النساء الذي تعالى على نغم الدلوكة الذي أبدعت فيه حليمة مستعينة بالحلة الضخمة المنكفئة على الأرض ودب النشاط في كل الموجودين وبدأ العمل الجاد للتجهيز وإعداد مايلزم للسماية والتي كانت تفصلهم عنها بضع سويعات.
![]() |
حميدة عبد الرحمن |