السبت، 16 مارس 2019

مقالات:قراءة استراتيجية لحكم العسكريين في السودان «4- 4»


*في الثلاثين من يونيو 1989م اطلت ثورة "الإنقاذ" لتمثل الحكم العسكري الرابع منذ استقلال البلاد كنتاج طبيعي لإستمرار الخلافات الحزبية فيما بينها وبين القوات المسلحة خاصة بعد مذكرة الجيش التي قدمها للحكومة والتي لم تجد أذناً صاغية .. فبدأت الخلايا الحزبية داخل القوات المسلحة بالتحرك فيتم اكتشاف محاولة انقلابية في نصف يونيو 1989م أعدها التنظيم "المايوي" داخل الجيش إلا أنها قد أحبطت وأودع بعض الضباط المشاركين فيها تحت الحراسة المشددة بحامية جبل أولياء وكان من بينهم العميد »آنذاك« الزبير محمد صالح الذي أصبح فيما بعد نائباً أول لرئيس الجمهورية في أعقاب التغيير العسكري الذي قام به بنجاح في 30 يونيو 1989م العميد "آنذاك"   عمر حسن أحمد البشير .. وبذلك دخلت البلاد في الدورة الرابعة للسلطة العسكرية في السودان .. وفي البيان الأول للعميد ركن "عمر حسن" أعلن أن ثورة الإنقاذ الوطني يتزعمها عدد من ضباط القوات المسلحة من الرتب المتوسطة والصغيرة وتم بموجب ذلك تشكيل مجلس لقيادة ثورة الإنقاذ الوطني الذي علق العمل بالدستور الانتقالي وحل الجمعية التأسيسية ومجلس رأس الدولة والوزراء وجميع الأحزاب السياسية والنقابات وعطل العمل بالصحف وأعلن حالة الطوارئ .. وقد شهدت البلاد خلال الفترة التي تعد الأطول في حكم البلاد بين الحكومات الوطنية التي حكمت السودان في تاريخه الحديث العديد من الأحداث كان من أهم معالمها انعقاد عدد من المؤتمرات في المجال السياسي والاستراتيجي والسلام والإعلام.. شارك فيها عدد كبير من المختصين وأهل الرأي قدموا من خلالها رؤيتهم لحل معظم قضايا البلاد .. وادخلت الحكومة نظام المؤتمرات الشعبية الذي قدم السند للإنقاذ الوطني عبر اللجان الشعبية والقاعدية وطورت الفكرة بقيام المؤتمر الوطني الذي كان في بداياته يمثل نظاماً سياسياً وليس حزباً إلى أن تم إعلان صدور قانون التوالي السياسي في 1998م الذي سمح بممارسة العمل الحزبي وأعلن أن المؤتمر الوطني هو الحزب الحاكم في السودان بمشاركة عدد من الأحزاب السياسية »المنشقة« من أحزاب كبيرة
* شهدت البلاد طفرة تنموية في مجال البنى التحتية لم تشهدها من قبل خاصة في مجال الطرق والجسور واستخراج النفط وتصديره للخارج وإنشاء السدود.. كما تم توقيع عدد من اتفاقيات السلام بين الحكومة وبعض الفصائل من المتمردين بجنوب السودان والشرق وعدد من الحركات المسلحة بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وكذلك توقيع اتفاقية السلام الكبرى "نيفاشا" التي انهت قتال بالجنوب دام لعشرات السنين وذلك في العام 2005م .. كما أجيز الدستور الانتقالي .. وقد انتهجت الحكومة منهج الحكم الفيدرالي وقسمت البلاد إلى 26 ولاية منها 10 ولايات جنوبية وعدد 66 محافظة ثم بعد تم إنشاء المحليات بدلاً عن المحافظات "قبل الانفصال" ..
* الحكم العسكري الرابع في السودان لم يكن كسابقاته من الحكومات العسكرية الثلاث التي تعاقبت على حكم البلاد إذ تم خلال الأعوام الأولى حل مجلس قيادة الثورة "الجناح العسكري" للإنقاذ ليحل محله نظام سياسي مدني "مختلط" بإنفاذ قانون للأحزاب السياسية وإقرار انتخابات عامة وفق شراكة المحاصصة بينها والأحزاب المشاركة في السلطة السياسية وتعتبر حكومة ثورة الإنقاذ الوطني من أكثر الحكومات التي واجهت صراعات على السلطة في تاريخ البلاد حيث لم يكن الصراع على السلطة داخلياً فحسب بل واجهت ضغوطاً خارجية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد الحديث حيث تم إحباط عدد من المحاولات الانقلابية ضد الإنقاذ اشهرها المحاولة الإنقلابية للبعثيين في رمضان 1992م .. وازدياد وتيرة التمرد في جنوب البلاد ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وانطلاق المعارضة الحزبية المسلحة بالشرق ومناطق أخرى بالبلاد .. وقد زادت الضغوط الخارجية من الدول الغربية وإعلانها الحصار الاقتصادي والسياسي ودعمها لحركات التمرد بالسلاح والمال ودعم دول الجوار للحركات المسلحة والمعارضة حيث شمل ذلك كل الشريط الحدودي مع دول الجوار .. إضافة إلى التدخل الأممي عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن وفرضها للعقوبات على السودان..
* واجهت الإنقاذ معارضة شرسة من الأحزاب والقوى السياسية "الأم" التي تولدت عنها الأحزاب المنشقة ضد سياسات الحكومة "مدنياً وعسكرياً" .. وقد أفضى الصراع على السلطة في حقبة الإنقاذ الوطني إلى كثير من المآلات على البلاد أهمها تعرض البلاد للتدهور الاقتصادي وانخفاض قيمة العملة المحلية مقابل الأجنبية نتيجة الحصار والعقوبات الأمريكية الأحادية الظالمة.. ويعتبر فصل جنوب السودان عن شماله وفقدان السودان الموحد من أهم الأحداث في عهدها  .. وقد أدت العزلة الخارجية إلى فقدان البلاد للدعم والسند الاقتصادي والسياسي الخارجي .. إضافة إلى تدويل قضايا السودان الداخلية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
* إن ما يحسب للإنقاذ إشراكها كل من أراد المشاركة السياسية معها في حكم البلاد بما فيهم متمردين سابقين نازلوها في ساحات القتال ويحسب لها أيضاً إدارة أكبر عملية حوار وطني سياسي ومجتمعي في تاريخ البلاد توصلت فيه إلى تفاهمات مشتركة بينها والقوى السياسية المعارضة حول تداول السلطة وهي تنتظر قرار رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب التي امتدت لأكثر من عشرين عاماً قضت فيها على الأخضر واليابس ولا تزال آثارها باقية ومضاعفاتها مستمرة ..
* مؤخراً واجهت الإنقاذ احتجاجات عنيفة ومواجهات في أغلب الأحيان نتج عنها تخريب للممتلكات العامة والخاصة وفقد عدد من الأرواح من جانبي المواجهات.. ولكن أشرسها وأشدها ضراوة أحداث مصرع قرنق في حادثة الطائرة الشهيرة في العام 2005م .. ثم احتجاجات العام 2013م .. ثم تكالب اليسار عبر بوابة تجمع المهنيين في أعقاب الأزمة الاقتصادية في نهاية العام 2018م .. ولكن كل تلك الاحتجاجات لم تؤثر في عزيمة بنائها الهيكلي الحكومي والحزبي المسنود من كوادرها التي بايعت الرئيس "البشير" في أحلك المواقف مستمسكة به قائداً توافقياً في ظل تلاطم أمواج الخلافات المتصاعدة من الحركات المسلحة والضغوط الدولية ..
* ينظر المراقبون الاستراتيجيون إلى أن الحكم العسكري الرابع قد تمحور في أطوار سياسية عديدة.. الأول: حكم عسكري خالص مسنود بدعم من الحركة الإسلامية.. ثم الطور الثاني بحل مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني .. ثم الثالث بتأسيس نظام التوالي السياسي بإشراك عدد من الأحزاب السياسية في حكم البلاد عبر شراكة "المحاصصة"  التي نال فيها المؤتمر الوطني "الحزب الحاكم" النسبة المئوية الغالبة .. ثم الطور الرابع عقب المفاصلة الشهيرة في رمضان 1999م بانقسام الحركة الإسلامية التي تسند الإنقاذ إلى حزبين "الوطني والشعبي" .. ثم الطور الخامس عقب خطاب الوثبة لرئيس الجمهورية وإقرار العمل بمخرجات الحوار الوطني.. فهل يا تري يتمحور الآن الطور السادس للحكم العسكري الرابع في السودان يميل الآن بالرجوع للمربع الأول حيث بدأت ثورة الإنقاذ الوطني في الثلاثين من يونيو 1989م أي كما يعرف في اللغة العسكرية ب"كما كنت".