
محمد صالح عبد الله يس
بعد أن نامت نواطير الجنينة دار اندوكة وبشمت ثعالبها وهدأ الليل واستكنّ وأرخي بسدوله على الأباطح والربى وراحت المدينة في لباس عميق سرى نسيمٌ خفيفٌ يداعب صفق اشجار المانجو المتساقط تحت الأرض فترحل مغصوبة قبالة الصعيد حاملة معها حبيبات ناعمة ألقتها عليها الريح وانتاشتها من مكان بعيد . ظل الفجر ينازل الليل بنوره وضيائه ويسدد له طعناته العجلى والليل يناوشه بظلامه المرعب وشهبه الراصدة وأنى له التناوش من مكان بعيد ؛ ولكن الفجر تمكن منه رغم رعبه وعدته وعتاده. فسهامه كانت أمضى وسيوفه كانت فاتكة؛ ولم تصمد أمامه جيوش الظلام ورحم الله من قال الصبح حق والحق أحق بالنصر فهرب الظلام تاركاً وراء ه القتلى من الكواكب والنجوم ولم تنفعه جبروت القمر وراجمات الثريا وشهبها وشياطينها واستسلمت للفجر بقايا الأنجم الزواهر بعد أن جرت الشمس لمستقرها ، وصار القمر عرجوناً قديماً ارهقته المعركة وبؤسها الشديد . وما أن انجلت المعركة وعادت الحياة إلى طبيعتها وبينما الجميع مهموم بالخروج إلى مقر عمله، حزمت فاطمة امتعتها وودعت دارها وأهلها واتجهت إلى محطة المواصلات وحجزت مقعدًا في إحدى اللواري المتجه إلى الجنينة مقر عملها الجديد؛ كان ذلك في منتصف العام 1966حيث كانت الجنينة في تلك الأيام مدينة وادعة تجللها سحب الرفاهية ورغد الحياة. مضيافة ترحب بالقادمين إليها من موظفين وعمال .
استقبلتها زميلاتها بالمدينة وكانت في مقدمتهم أيضاً السلطان بحر الدين الذي تربطه علاقات حميمة مع ناظر عموم شرق دارفور ضو البيت عبد الدائم وأن فاطمة هي من بنات الدخيري التي تربطهم أواصر الأخوة والصداقة الممتدة بين هذه الأسر الثلاثة .
كعادتها نهضت فاطمة وحملت مشعل نشاطها داخل المدينة وبدأت حملات التوعية وسط البنات فبعد انتهاء يومها الدراسي تقوم بزيارات أسرية تقوم خلالها بتوعية الأمهات عن أهمية الرضاعة الطبيعية، ثم تعقد الندوات التثقيفية للنساء وتبشرهن بأهمية التعليم وضرورة رعاية الأطفال ومحاربة الختان الفرعوني؛ وانشأت جمعية ضخمة لربات البيوت وفتحت لهن فصولاً لمحاربة ومحو الأمية ومحاربة غلاء المهور.
وقد ساعدها في التغلغل داخل المجتمع صديقتها الأميرة ابنة السلطان، منيرة بحر الدين وهي أول معلمة من بنات الجنينة تخرجت في العام 1953 ولما رأت السلطات المحلية همة ونشاط فاطمة تم نقلها إلى مدرسة هبيلة لترسيخ تجربتها هناك؛ ثم تقدم مجموعة من أعيان أردمتا وطلبوا من ضابط التعليم أن ينقل إليهم فاطمة لتقود حملة النشاط التوعوي بها ؛ وظلت بذات النشاط والهمة وصار اسمها يترد على السنة الجميع وكانت تخرج في القوافل التوعوية الدورية التي تنظمها السلطات الصحية المحلية في مجال مكافحة الجدري والسحائي والحصبة وحملات التطعيم ،وكانت من سياسة الحكومة المركزية تتخير أفضل الموظفين من ذوي الكفاءات للعمل بمنطقة الجنينة التي لها حدود مع الشقيقة تشاد ولها احتياجات خاصة في العلاقات الإدارية والاقتصادية وبالضرورة تختار لها المعلمين والمعلمات من أهل الجدارة والامتياز وكانت فاطمة من تلك الشاكلة .
تم نقلها إلى مدرسة السريف في العام 1973 وأقام لها أهل الجنينة احتفال وداعٍ محضورٍ شرفه السلطان وأكابر وجهاء المدينة، وأغدقوا عليها بالهدايا والأوشحة التذكارية وغادرتهم ولسان حال تلميذاتها لن ننسي أيام مضت لن ذكراها لن ننسى اياما خلت مرحا قضيناها .
وكانت في وداع مهيب من أهل الجنينة. غا درت فاطمة متجهه إلى مقر عملها الجديد وكان في استقبالها أعيان ووجهاء مدينة السريف وفي مقدمتهم الناظر آدم حامد ناظر البني حسين فأكرم وفادتها وأقامت بمنزله أياماً حتى هيأ لها السكن المناسب بالمدرسة ؛ وبدأت فور تسلمها لعملها بصيانة فصول المدرسة واهتمت ببيئة الدراسة، وأنشأت سياجاً اخضرًا من الأشجار والبساتين والزهور وتحولت المدرسة في سرعة قياسية إلى حديقة غناء عامرة بالروض والزهر .ولكن الأيام عاجلت فاطمة وتم نقلها إلى مدينة الفاشر وغادرت السريف تاركةً خلفها ذكريات وأشجان عطرت المكان وعبقت الزمان باويقاتها الجميلة .
ظلت تتنقل في مدارس بنات الفاشر من بنات أولاد الريف إلى الشرقية بنات إلى الشمالية بنات حتى نهاية العام 1975 حيث تم نقلها للعمل بمعهد تدريب المعلمات بنيالا وأمضت عامين تدرس فيها مادة طرق التدريس الصفية بالمعهد .
اتجهت بها المقادير هذه المرة الى مدينة زالنجي في العام 1979 ولم تبخل لتلميذاتها وزميلاتها بعصارة تجربتها وطورت تجربة التدبير والاقتصاد المنزلي فأنشأت مصنعاً تقليدياً لصناعة الفاكهة ، وزالنجي معروفة ببساتينها وفواكهها الكثيرة فعلمت التلميذات كيفية صناعة المربي من فاكهة المانجو والبرتقال والقريب فروت واستفادت أسر كثيرة من هذه التجربة وتحولت المرأة في زالنجي إلى امرأة منتجة تعتمد على نفسها.
![]() |
|