الثلاثاء، 19 فبراير 2019

مقالات: تأملات:على الأقل.. رجالة بس


رجال كثر تعلمت منهم كثيراً، وأقتدي بهم، وهم مثل النجوم يحق أن يهتدى بهم، وأذكر بعضهم ممن اختارهم الله إلى جواره، وفي مقدمتهم جدي لوالدتي الشيخ جبارة عمر، وهو شارك في كرري وأم دبيكرات، ثم جاء مع مجموعة ونزل في منطقة الجوغان جنوب شرق أم روابة، ومنها انتقل إلى مدينة (التيارة) التي كان بها مركز شرق كردفان، وعمل في الشرطة، وجاء إلى أم روابة عندما انتقل المركز إليها، وأحيل إلى المعاش عام 1906م، فعمل في مصلحة الغابات وزرع كل النيم الذي صارت تعرف به المدينة، (عروس النيم)، والتزم الطريقة التيجانية وصار من أقطابها في المدينة، واليوم قبره مزار يتبرك به الناس مع أخوانه في الطريق الشيخ أحمد التيجاني الفوتي، والشيخ محمد ود دوليب، والشيخ الأسطى محمود، وشيخ محمد الذي ظل يخدم المقابر عمره كله، وهو رجل زاخر بالمعرفة والحكمة. ولقد أخذت من جدي جبارة الطريق قبل أكثر من خمسين عاماً ، وأنا لا أزال وقتها في المدرسة الأولية. 
ومن الذين تعلمت منهم كثيراً، ووجدت فيهم صوراً نادرة، الدكتور عبدالله سليمان العوض، والرئيس جعفر محمد نميري، والشيخ حسن عبدالله الترابي، والشريف زين العابدين الهندي، وأخي الشهيد داود ريحان، والحاج التيجاني محمد إبراهيم، والأستاذ سيد أحمد خليفة. ومنهم استدعى في هذا المقال قصة للدكتور عبدالله سليمان العوض، وكما هو معلوم فإن الدكتور يعود إليه الفضل كله من بعد فضل الله تعالى في تأسيس الوكالة الإسلامية للإغاثة، أسسها بأثاث عيادته، وبسيارة زوجته الحاجة الثريا ابنة الشيخ محمد العبيد، ولما قامت الإنقاذ في العام 1989م، كانت مكاتب الوكالة خارج السودان قد بلغت ثلاثة وأربعين مكتباً. ولأنه كان ضد إقحام الوكالة في العمل السياسي أبعدوه عنها، وبارك شيخ حسن هذا الإبعاد، فخرج دكتور عبدالله من السودان، وعاد خدمته في الأمم المتحدة في منظمة الصحة العالمية، ولم يعد إلا بعد إجازة قانون التوالي، وفصل حزب المؤتمر الوطني من الحكومة، وتولي العلاقات الخارجية في أمانة الدكتور الترابي، ثم أبعد منها فتفرغ للتدريس في الجامعات، ولما حدثت المفاصلة، كان من أوائل الذين وقفوا مع الشيخ الترابي وناصروه، ووالوه في المؤتمر الشعبي، وأذكر يوم المفاصلة سأله أحد الأخوان من أبناء جيله عن السبب الذي جعله يقف مع الترابي، وهو يعلم أن الشيخ كان قد بارك ما جري له وللوكالة، فرد عليه دكتور عبدالله بكلمة واحدة (رجالة) ثم فسر له (تفتكر في يوم زي ده لو ما وقفنا مع حسن، في زول بحترمنا، ولا نحن ذاتنا بنحترم أنفسنا بعد كده؟) 
وموقف الدكتور عبدالله هذا قريب من موقف حكاه لي أخي المرحوم جمالي حسن جلال الدين، فبعد المحنة التي تعرض لها الرئيس التشادي إدريس دبي، التي حاصرت فيها جيوش المعارضة قصره في أنجمينا، وتم صدها بعد ذلك، رزق جمالي مولود ذكر، فأسماه  (إدريس دبي) وكان ذلك في مصر ما بين نهاية العام 2007، وبداية العام 2008م، فسألته عن سر هذا الاسم، فأخبرني أن فرنسا عرضت على الرئيس دبي اجلاءه من أنجمينا، وتوفير إقامة آمنة له في باريس، فرفض وقال لهم إن من عادات قبيلتهم أن من يهرب من الحرب، لا تتزوجه النساء، وإن كان متزوجاً ، تطلب زوجته الطلاق، وإن كان له أولاد لن تتزوج واحدة من بنات القبيلة من أولاده، ثم قال لهم إنه متزوج، وله أولاد وأحفاد كذلك، فلن يهرب ويترك العار يصيب كل هؤلاء، فهو أمام خيارين، النصر أو الشهادة، فصمد وقاتل، وانتصر بفضل الله تعالى.
وأسوق هذين المثالين للذين يطلبوا مني أن انفض يدي من الإنقاذ، وأنا بحمد الله لم أستفد شيئاً من خيراتها، ولم أعمل في وظيفة من وظائفها في أي مستوى من مستوياتها، ويرون أني أحق بالقفز من فوق سفينة الإنقاذ من كثيرين فعلوها، بعد أن شبعوا من خيراتها، وكنزوا الذهب والفضة،  واكتنزوا كل العملات الأجنبية، وأزيد على ذلك وأقول لهم أني ظللت أدعو إلى ما يدعو له أدعياء الثورة اليوم منذ شهور الإنقاذ الأولى، وكل ذلك موثق ومحفوظ، لكنني لن أفعلها، ولو من باب (الرجالة) ولا يزال يرن في أذني صدى غناء بنات أخوالي، وخالاتي، وحسناوات حي أديب، يوم أول جديد (جمال كان بكيت منو بغني ليك) ثم أننا لا ندافع عن نظام، ولا حكومة، ولا رجال، ولكننا ندافع عن حلم موعودون به، ويرونه بعيداً ونراه قريباً ، فلن نوالي الذين يتآمرون لوأد أحلامنا، ونجاهد مع أخواننا الذين يتولون الحكم بالنصح، والنصيحة، ونسعى لأن نردهم إلى الحق رداً، ولا نكابر، ونعترف أن هناك أخطاء كبيرة قد وقع فيها بعض أخواننا الحاكمين، بضعف تجربة، أو ضعف في النفوس، وأخطاؤهم هذه هي بعض أسباب معاناتنا، ومعاناة شعبنا، ولا بد من الاعتراف بها وتصحيحها. ومستعدون لتقديم النصح بكل السبل، ومستعدون لقبول ما يصيبنا بسببه اتقاء لفتنة لا تصيبن الذين ظلموا منا خاصة، وتلك دعوة لكل إخواننا الذين توهموا النجاة في القفز من فوق سفينة الإنقاذ، ومثل هذا القفز لا ينجيهم في الدنيا، ولا في الآخرة. ولا أقول كما يقول الجاهلون (موت الكتيرة عرس) ولكنني أقول لهم الثبات على الحق فضيلة واجبة، ونسأل الله الثبات والنصر.