والمقام ليس مقام مقارنة بين الدكتور فيصل الذي أدى مهمته كما كان ينبغي أن يؤديها، وبين مولانا أحمد محمد هارون الذي اختير خلفا له، وكما قال الرئيس البشير يوم خطابه الأخير الشهير أنه يقف مسافة واحدة من كل الأحزاب والقوى السياسية، أقول أن المسافة بيني وبين فيصل وأحمد مسافة واحدة، والقواسم بيني وبينهما تكاد مشتركة، ومثلما كان فيصل هو الأنسب لأداء المهمة في ذاك الزمان، فإنه لا يكاد يكون هناك أحد أنسب من أحمد هارون في هذه المرحلة، ومثلما قلت أن شهادتي في فيصل ليست مجروحة، فهي كذلك في أحمد غير مجروحة، ولعل الناس يعلمون ما بيني وبين أحمد هارون مما يعلمونه، وهو معلوم لكثيرين، فعلى الرغم من أنه مر بكثير من المحطات التي مررت بها، وأهمها مصر التي درسنا فيها جميعا، إلا أن فارق الزمن لم يتح لنا فرصة الزمالة حيث تخرجنا قبل أن يأتي إلى مصر، إلا أن ارتباطي بمصر وبالدارسين في مصر الذي لم ينقطع، أتاح لي معرفة ومتابعة بعض سيرته هناك، والتي كانت كلها تميز وإبداع، ويكفي أنه قاد الاتحاد العام للطلاب السودانيين الدارسين في جمهورية مصر العربية، وكان من أعضاء الاتحاد نجوم كثر منهم الأخ حسبو محمد عبدالرحمن النائب السابق لرئيس الجمهورية، والأخ فضل المولى الهجا والي ولاية غرب دارفور، ثم عرفته عن قرب عندما جاء واليا لولاية شمال كردفان، وكنت من أوائل الذين نادوا له، وراهنوا عليه، وبحمد الله كسبنا الرهان، ومن يراهن على أحمد هارون فهو كاسب.
وبرغم أن ما حققه أحمد هارون من إنجازات غير مسبوقة في شمال كردفان، ولقد شاهد الناس كلهم ذلك، ولكن لا يهمني في هذا المقام الإنجازات التنموية، والخدمية، ولكن يهمني إنجازه السياسي، ليس في شمال كردفان وحدها، ولكن في ولاية جنوب كردفان قبلها، وقد تكون أكثر معها، مع اختلاف الزمان والمكان. فما حققه أحمد في جنوب كردفان من شراكة حقيقية مع الحركة الشعبية، لم يكن لها مثيل، ولقد قلت وقتها أن الحكومة الاتحادية لو كانت قد افلحت في مد جسور التواصل مع الحركة الشعبية مثلما حقق أحمد هارون في جنوب كردفان، لما انفصل الجنوب من السودان.
وفي تجربة شمال كردفان التي يشهد الجميع بما تحقق فيها في قضايا التنمية وغيرها عبر نفير النهضة، فإن كسب أحمد هارون السياسي كان أكبر من ذلك، فاحمد استطاع أن يوحد أهل الولاية بكل مشاربهم، فلقد تخلى أهل شمال كردفان عن كل انتماءاتهم الأخرى، وأعلوا جميعا من الإنتماء لمشروع النفير الذي استطاع مولانا أن يثبت لكل إنسان في الولاية أن هذا النفير هو نفيرهم جميعا، وأذكر أن في الشهور الأولي لمجيء مولانا للولاية في العام 2013م، وكان قد طرح مشروع النفير، فلما حدثت مظاهرات سبتمبر المشهورة في ذاك العام، اجتمع أهل كردفان، واتفقوا على عدم إحراج ابنهم وواليهم الجديد، الذي زرع فيهم الأمل، وتعاهدوا على عدم الخروج والتظاهر، والتزموا بذلك التزاما صارما، وكانت الأحزاب المعارضة، وغير المشاركة في الحكومة القومية هم الأكثر التزاما بعدم الخروج والتظاهر، وفي مقدمتهم أحزاب الأُمة القومي، والشعبي، والشيوعي، والبعثي، وغيرهم. ووفاء لهذا الموقف دعاهم أحمد للمشاركة في لجان ومؤسسات النفير، وقد فعلوا. ومعلوم موقف أهل الولاية من المظاهرات الأخيرة، فلقد خرجت بعض المظاهرات في بعض المدن، ولكن سرعان ما تذكر الناس نفيرهم الذي أتى أكله، وتذكروا واليهم الذي هو منهم، وهم منه، فتوقفوا، وكان مولانا قد حل كثيرا من المشكلات التي كانت تعاني منها ولايات اخرى، وأولها مشكلتي الخبز والوقود. فمولانا أحمد محمد هارون، هو الرجل المناسب في الموقع المناسب في الزمن المناسب، وأبشر به المعارضين قبل الموالين، فاحمد هارون الأكثر احتراما للآخر، وتواصلا معهم، فهنيئا لأهل السودان جميعا بأحمد هارون الذي لا شك عندي في نجاحه للعبور مع قوى السودان السياسية كلها، بفضل الله أولا، ثم بما حباه به الله من مقدرات، قل أن توجد في شخص واحد، وبالله التوفيق.