مقالات:مصر والسعودية.. علاقات خاصة
لا أستغرب من معارضي الحكومة السودانية الذين يحسبون مواقفها حساب الربح والخسارة، ولكنني أستغرب حد الاندهاش من الذين يحسبون على الحكومة ويفعلون ذات ما يفعله المعارضون، ويوصفون المواقف هذه الحساب الرخيص. ومن هؤلاء الذين يتساءلون ماذا أعطى الوفد السعودي الرفيع الذي زار السودان مبعوثاً من خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وقبلهم كنت قد كتبت عن الذي سألني عن جدوى زيارة الرئيس البشير إلى العاصمة المصرية القاهرة. والبعض يتساءل عن الموقف الأنفع للسودان، مع هذا المعسكر أو ذاك، وآخرون يصفون الموقف السوداني بالاهتزاز، لا إلى هؤلاء ولا الى هؤلاء. وبعض هؤلاء الذين يصفون مواقف السودان بالاهتزاز يحاولون دعم رأيهم بتصريحات إيجابية للرئيس البشير تؤكد بقاء الجيوش السودانية في الصفوف الأمامية للقوات العربية التي تدافع عن المقدسات الإسلامية في اليمن، وذلك عقب عودته من العاصمة السورية دمشق، وكانوا قد صنفوا هذه الزيارة ضد السعودية، وضد محور إعادة الشرعية في اليمن. ولا يزال هؤلاء في حيرتهم، ويجتهدون في تفسير هذه المواقف التي يرونها متناقضة.
ولو بدأنا بالموقف السعودي، فقبل الحديث عن هذا الموقف، فلو علمتم ما أعلم من الطريقة التي تم بها تنظيم زيارة الوفد الرفيع للخرطوم، لأدركتم عمق هذه العلاقة، ولقد رتب هذه الزيارة السفير الذي لم يتميز عليه أحد سفير خادم الحرمين الشريفين معالي السفير علي بن حسن جعفر، فكانت الاتصالات والتواصل، تغلب عليه الحميمية، والأخوة الصادقة، وبصرف النظر عن توجيه خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك سلمان بالوقوف مع السودان حتى يتجاوز محنته الإقتصادية في مجلس الوزراء السعودي الذي ترأسه جلالة الملك بنفسه، فهذا موقف طبيعي، ولكن يكفي عنه ذكر المتحدث باسم الحكومة السعودية سبق السودان والسودانيين في الوقوف مع المملكة وأهلها، لا سيما في مجال التعليم، ولقد قال بالحرف الواضح أن للسودان أفضال كثيرة على السعودية وأهلها، وكأنه يقول بذلك إن الواجب يحتم علينا أن نقف مع السودان في هذه الأزمة العارضة. وحكام المملكة العربية السعودية يعلمون ما حبا الله به أرض السودان من خيرات يعود نفعها لأخوانهم في كل البلدان الشقيقة والصديقة، ولذلك لا تفرط السعودية وحكامها في السودان، ولأجل ذلك طرح الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز يرحمه الله مشروع الأمن الغذائي العربي في السودان، ولأجل ذلك أيضًا واصل الملك سلمان ما بدأه سلفه الراحل، يرحمه الله ويسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وعلاقة السودان بالمملكة العربية السعودية ليست علاقات مصالح ومنافع، فهي علاقة أصيلة ومتجذرة، وهي تقوم على قيم ومعان، وليس لحساب الربح والخسارة فيها مكان.
أما بالنسبة للعلاقات السودانية المصرية فلقد كتبت عنها كثيراً، وكتبت عن الزيارة الأخيرة للسيد الرئيس عمر البشير للقاهرة، والتي أدرك فيها الغافلون حجم ومستوى العلاقات السودانية المصرية، ولكن يهمني في هذه اللحظة الوقوف عند ما قاله سفير شمال الوادي إلى مقرن النيلين السفير المتفرد السفير حسام عيسى، الذي أجمع كل من جلس معه، أو استمع إليه، أنه سفير خاص لمرحلة خاصة، وعلى المستوى الشخصي لم يساورني أدني شك في أن كل أحلامي في العلاقات السودانية المصرية سوف تتحقق في عهد هذا السفير بإذن الله تعالى، فعندما التقينا قبل نحو أسبوع تقريباً في بيت الحبيب الأنيق ميرغني لطفي حول مائدة على شرف سفير شمال الوادي حسام عيسى، خلع السفير حسام لباس الدبلوماسية تماماً، وتحدث بغير تحفظ، وبدون رتوش، وتحدث عن عمق العلاقات السودانية المصرية، وتحدث باسم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وقال قولاً قاطعاً، وفاصلاً، أن مصر لن تسمح بتكرار تجربة ما يسمى بالربيع العربي في السودان، وهذا قول لا بد أن يكون مفهوماً ومعلوماً لكل من يعنيه الأمر، وعندما تقول مصر أنها لن تسمح بتكرار هذه الكارثة في السودان، فهي تعني ما تقول، ويكفي السودان أن يجد شقيقة الوادي معه، وهنا لا بد أن نحرر شهادة وفاء وعرفان للإعلام والصحافة المصرية، التي لم تخدعها الأكاذيب، فلم تنقل الافتراءات والأكاذيب مثلما فعل آخرون. ولا أجد ما أقوله في هذا المقام في حق الأشقاء في جارة الوادي وأرض الحرمين الشريفين إلا أن أكرر ما قلته في قناة الشروق الفضائية قبل أسبوع تقريباً عندما كنت أتحدث عن العلاقات السودانية المصرية، فقلت الرمية الغنائية المعروفة.. الزول الصديق بي اسمه ماهو صديقك، لكن الصديق الشاركك في ضيفك، في كل الصعاب تلقاهو ديمة رفيقك، والناس تتوهم تقول ده أخوك شقيقك.