لجنة برلمانية : زيادة أسعار الجازولين التجاري مخالفة لقانون الموازنة العامة!!
خبير اقتصادي: زيادة أسعار المحروقات تؤثر سلباً على الدورة الاقتصادية!!
تحقيق: ندى بدر
أزمة الوقود في السودان هل هي إدارية وسياسية أم اقتصادية ؟ هذا السؤال يطل برأسه بين الفينة والأخرى منذ أكثر من عام ؛ وذلك بعد أن أصبحت أزمة الوقود مرضاً مزمناً من الصعب ايجاد علاج له سوى بعض المسكنات المخففة للألم ، واليوم تأتي زيادة سعر الجازولين التجاري لتزيد حدة الألم والمعاناة التي يعيشها المواطن في ظل هذه الضائقة المعيشية القاتلة ... الكثير من الآثار الاقتصادية السالبة المترتبة على هذه الخطوة نحاول التطرق إليها في هذه المساحة مع بعض الخبراء والمختصين في هذا الجانب ...
٭ مخالفة القانون!!
الموازنة العامة للدولة هي بيان تفصيلي يوضح تقديرات إيرادات الدولة ومصروفاتها معبراً عن ذلك في صورة وحدات نقدية تعكس في مضمونها خطة الدولة لسنة مالية مقبلة. وهذا البيان يتم اعتماده من قبل السلطة التشريعية في الدولة ؛ بالنسبة للسودان فإن موازنة العام (2019) والتي أجازها مجلس الوزراء كانت تهدف إلى الاصلاح الاقتصادي وتحسين معاش الناس ، وخفض معدلات الفقر ، لكن مع هذه الزيادة المضطردة في كل شيء وآخرها سعر الجازولين التجاري، يبدو إن كل تلك الأشياء أحلام واهية يستيقظ المواطن منها ليواجه الواقع المرير. فقد رفعت الحكومة قبل أيام سعر جالون الجازولين للمصانع والقطاع التجاري والسلك الدبلوماسي إلى نحو (89) جنيهاً ، ورغم تأثيرات هذا الارتفاع الكبير على المنتجات ، إلا أن أصحاب المصانع يشتكون من عدم توفر الجازولين بهذا السعر الباهظ ؛ وقد طبَّقت بعض محطات الوقود التجارية الزيادة الجديدة في سعر الجازولين لقطاع التعدين والصناعة والمنظمات والشركات الأجنبية ، بما فيها شركات الاستكشاف والبعثات الدبلوماسية . واعتبرت لجنة الصناعة والتجارة بالبرلمان زيادة أسعار الجازولين التجاري مخالفة صريحة لقانون الموازنة العامة الذي أجازه البرلمان، باعتبار أن الموازنة التي تمت إجازتها أكدت استمرار دعم الجازولين، وحددت مبالغ لدعمه، وقال رئيس اللجنة عبد الله علي مسار في تصريحات صحفية أن لجنته أرسلت خطاباً لوزير النفط لطلب معلومات عاجلة عن أسباب ودواعي رفع سعر الجازولين، وأضاف »بدأت الآن تظهر مخالفات لقانون الموازنة العامة الذي أجازه البرلمان ويجب الالتزام به«. تجدر الاشارة إلى أن هناك محطات تجارية وأخرى خدمية وهذه أسعارها مستقرة . لكن أي زيادة في أسعار الجازولين ستقود إلى زيادة في أسعار المنتجات بصورة عامة؛ وعلى سبيل المثال فإن أسعار الدقيق سوف تزداد نتيجة لزيادة قيمة الترحيل ، وينعكس ذلك مباشرة على المواطن من خلال رغيف الخبز ، من جانب آخر فإن إزدياد أسعار الجازولين ينعكس مباشرة على تعرفة المواصلات ؛ وهذا عبء جديد يوضع على عاتق المواطن . وهذه أبسط أمثلة للزيادة المتوقعة نتيجة لزيادة أسعار الجازولين التجاري . ظهرت بوادر أزمة الجازولين في العام (2017) وبدلاً من ايجاد الحلول وتوفير الجازولين تفاقمت الأزمة في الخرطوم وبقية الولايات مع العلم إن اصحاب المركبات يحصلون على حصة مدعومة وأخرى تجارية بمعنى إن صاحب المركبة يقوم بشراء الكمية الاضافية بسعر اللتر العالمي ، في تصريحات صحفية سابقة قالت وزارة النفط والغاز والمعادن إن البلاد موعودة بانفراج وشيك فى أزمة الوقود، وأكدت وجود خطة واضحة للإنفراج لكنها تحتاج إلى مزيد من الوقت .ورغم هذه الوعود مازالت الكثير من المركبات تزدحم أمام بعض المحطات في ولاية الخرطوم وسط شح واضح في الجازولين ، مما حدا بوزير النفط للتراجع عما قاله سابقاً واصفاً أزمة الوقود بالبلاد ( بالشائكة) مشيراً إلى زيادة عملية تهريب الجازولين .
٭اعاقة التنمية !!
جميع الدول التي تنتهج سياسة التحرير الاقتصادي لها سعر صرف واحد ولا توجد سوق سوداء ، وقد ظل القطاع الصناعي في السودان بين خيارين إما شراء الجازولين التجاري الذي تم رفع اسعاره أي بمعنى الشراء من السوق السوداء أو استيراده من الخارج ، وقد تم تحرير اسعار الجازولين بناء على نظرية إن التحرير يسهم في تطور القطاع الصناعي ويزيد الإنتاج للسلع الصناعية ، وعلى العكس من ذلك يرى أصحاب المصانع إن ازدياد أسعار الجازولين يؤدي إلى اعاقة التنمية في القطاع الصناعي ، وأكد (م.ع) والذي يعمل بأحد مصانع المواد الغذائية إن زيادة سعر الجازولين التجاري سوف تؤدي إلى توقف عمل المصانع نتيجة لارتفاع التكاليف ؛ وهذا بلا شك يقود لارتفاع اسعار المنتجات ، مما يؤدي لخفض القوة الشرائية وعزوف المواطن عن شراء كثير من المنتجات ، وقال إن هناك جهات حكومية تسيطر على استيراد الجازولين ولن تتاح الفرصة للمصانع للدخول في هذا الجانب خاصة إن الاستيراد يحتاج لمبالغ ضخمة بالعملة الصعبة وهذا الشيء قد يضطر بعض أصحاب المصانع للخروج من السوق .
لا شك إن أي مشكلة في الجازولين سوف يكون لها أثر مباشر على تعرفة المواصلات ؛ وقد تحدثنا إلى صاحب احدى المركبات العامة والذي أوضح إنهم لأكثر من عام يقضون معظم وقتهم أمام محطات الوقود ؛ ولاشك إن زيادة سعر الجازولين سوف تؤدي إلى انعدامه في المحطات الخدمية وقال إننا نضطر لشراء الوقود من السوق السوداء ولابد من معرفة الجهات التي تقوم بتوزيع الوقود هل هي الوزارة أم إن هناك وسطاء يعملون على تفاقم الأزمة .
٭المقدرة الانتاجية!!
لمعرفة الآثار الاقتصادية السالبة المترتبة على رفع سعر الجازولين التجاري ورفض لجنة التجارة والصناعة بالبرلمان لهذا الأمر تحدثنا إلى بعض خبراء الاقتصاد وفي البدء تحدث إلينا البروفيسور عبدالوهاب بوب والذي قال إنني اتفق مع قرار البرلمان إذا كان قراراً في إن أي زيادة في أسعار المحروقات يجب أن تكون مقننة ؛ ولكن لا اتفق معهم إنها بسبب الموازنة العامة ، حيث إن الزيادات تؤثر على المقدرة الإنتاجية للقطاعات الاقتصادية ، وواقع الحال إن الجازولين شحيح وإن الدولة تستورده؛ ولكن الأموال التي تمنحها الدولة لدعم الجازولين هي أموال الشعب السوداني وليست أموال اعضاء الدولة؛ وإن كان هذا الدعم موجوداً فتلك أموال الشعب من الضرائب التي يتم تحصيلها من القطاعات الإنتاجية والمواطنين ، وبلا شك إن الزيادة في أسعار المحروقات تؤثر سلباً على الدورة الاقتصادية وهي في حالة ضعيفة جداً هذه الأيام وسوف يأتي علينا الموسم الزراعي الصيفي والدولة غير مستعدة لتمويل الزراعة وتوفير الجازولين ، وزيادة أسعار الجازولين تؤثر سلباً على الزراعة والمصانع في ظل المشاكل السياسية والاقتصادية التي يعاني منها السودان ، وليس العلاج بزيادة الضرائب وإنما بالإصلاح ، ونحن نعلم إن الدولار الحكومي وصل (47) جنيهاً والدولار التجاري اقترب من المائة جنيه ، وهذه السياسة سوف تؤدي لرفع الأسعار وسوف تكون النتيجة وجود سوق رسمي وسوق موازي وسوف يتجه الجميع للسوق الموازي ويتم بيع الجازولين في السوق السوداء واذا تم شراء الجازولين ب(50) جنيهاً مثلاً فإن جوال الذرة سوف يصل (3000) جنيه؛ وكل ذلك يدفع ثمنه المواطن . من جانبه أوضح الاستاذ محمد الفاتح (خبيراقتصادي) إن رفع سعر الجازولين يعني خلق سوق موازي ، وزيادة ارتفاع الأسعار اضافة لتشجيع التهريب ؛ وإن اسهم هذا القرار في ايجاد مخرج ضيق من عجز الموازنة فهو ليس حلاً للمشكلة وينعكس ذلك سلباً على كل ما يحتاجه المواطن من منتجات؛ وقد يؤدي إلى خروج بعض رأس المال من الأسواق ، لذا لابد ان تفكر الدولة في ايجاد مخرج آخر من نفق وضع موازنة سنوية لدولة تعاني من مشاكل في الإنتاج الزراعي والصناعي ، كما يجب وضع الخطط والسياسات لمعالجة ازمة الوقود . في نفس الاطار تحدث الينا د. الطيب مختار ( رئيس منظمة الشفافية السودانية) والذي قال إن مؤشر الأسعار للمستهلك هو أحد المؤشرات المهمة في مسألة قياس الفساد في أي دولة وعندما يكون المؤشر عالياً فإن ذلك يعني وجود تضخم، ومعاناة يعيشها المواطن ، واي زيادة في اسعار الجازولين التجاري تعني زيادة في أسعار المنتجات للمصانع مما يؤدي لزيادة أسعار السلع وهذا يضر بموقع السودان في مؤشر الاسعار للمستهلك ، ولمعالجة هذه المشكلة لابد من الحساب الدقيق لتكلفة أي سلعة حتى خروجها من المصنع وإلغاء الوسطاء والوكلاء بحيث يذهب المنتج مباشرة للتاجر الذي يبيعه للمستهلك ، وهذا لا يتناقض مع تحرير الاسواق لأنه لا يعني فوضى وإنما يعني سهولة انسياب السلع وموضوعية اسعارها ، ولابد من محاسبة كل المخالفين وفقآ لقانون حماية المستهلك .