الاثنين، 25 فبراير 2019

قضية:شحنة القمح المصرية ...أين الحقيقة؟


 اعتبرها البعض شائعة لأغراض سياسية...
 المواصفات والمقاييس : تم سحب عينات من شحنة الدقيق القادم من مصر لفحصها !!
 حماية المستهلك : شحنة الدقيق المصري لم يفرج عنها وتم حجزها بالمخازن!!

قضية : ندى بدر

* حالة من الذعر والرعب عاشها المواطنون السودانيون في الايام الماضية بعد أن تداولت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لشحنة من دقيق القمح مهداة من جمهورية مصر إلى السودان في ظل الضائقة وأزمة الخبز التي تعاني منها البلاد ، وقد وضعها البعض في نطاق الدعم والمساندة للرئيس البشير لتجاوز الأزمة الاقتصادية الراهنة ، وتكمن المشكلة فيما أثير حول تلك الشحنة واصابتها بفطر (الأرغوت) وهذا ما اعتبره آخرون شائعة لأغراض سياسية .. ماهي حقيقة هذه الشحنة وماهو الهدف منها وهل تم توزيعها في المحال التجارية كما يقول البعض ؟ هذه التساؤلات نحاول إيجاد إجابة لها في الأسطر التالية ...

* هدية ولكن!!
يعتبر القمح سلعة استراتيجية للسودان حيث يعتمد غالبية السودانيين على رغيف الخبز في غذائهم ويستهلك السودان بحسب إحصاءات  (2.5) طن من القمح سنوياً ، وقد شهدت  ولاية الخرطوم و ولايات السودان المختلفة في الآونة الأخيرة أزمة في الخبز أدت إلى ارتفاع سعر قطعة الخبز إلى ثلاث جنيهات في بعض الولايات ، وعلى الرغم من ذلك ما أن تم تداول صورة شحنة دقيق القمح القادمة من الشقيقة مصر حتى أطلت إلى أذهان الكثيرين شاحنة دقيق القمح الفاسدة التي تسلمتها مصر من روسيا في وقت سابق والمصابة بفطر (الأرغوت) المميت والمسبب للسرطان.
 وقد أعتبر أحد المواطنين هذه الهدية خطوة ذكية من الحكومة المصرية للتخلص من شحنة القمح الفاسد وذلك باستغلال تلك الأزمة في القمح التي يعيشها السودان وبذلك يتم التخلص من الشحنة وفي نفس الوقت الوقوف مع الشعب الشقيق في محنته ، الجدير بالذكر أن وزارة التموين المصرية لم تنكر وصول هذه الشحنة إلى مصر من قبل بل نسبت هذه الصفقة للقطاع الخاص ، ونفى وزير التموين المصري استيرادهم لهذا الدقيق، وقال إن الجهة المستوردة شركة خاصة ، واستهجن المواطنون في السودان ما قامت به الحكومة المصرية بإعتباره عدم احترام للانسان في السودان رغم تلك العلائق التي تربط بين البلدين ، وتساءل الكثير منهم أين سلطات الحجر الزراعي وطالبوا بالكشف السريع عن حقيقة هذه الشحنة وإلا اعتبارها هدية غير مقبولة وإعادتها من حيث جاءت حفاظاً على سلامة المواطن .
* ما هو (الأرغوت)؟*
- رغم تلك الاراضي الشاسعة التي يمتلكها السودان لكنه وقف عاجزاً حيال زراعة القمح مما يضطرها لاستيراده من الخارج بمبالغ طائلة .. هذا ما ابتدر به المهندس عاصم عبدالرحمن (جامعة الخرطوم كلية الزراعة/ قسم وقاية النبات) حديثه حول ما أثير عن شحنة دقيق القمح القادمة من مصر، وقال إنه لا يستبعد أن تكون هذه الشحنة مصابة بفطر ( الأرغوت) وقد طلبنا منه بعض معلومات عن هذا الفطر فقال إن فطر (الأرغوت)  فطر طفيلي يعيش كطفيل على الغلال (cereals) وهو عبارة عن مهماز متصلب ذو شكل أسطواني محدب قليلا ذو لون أسود بنفسجي يظهر على سطحه عدة شقوق طولية أوضحها الثلم الذي يوجد في الوجه المقعر منه كما يظهر على سطحه بعض الشقوق المستعرضة الصغيرة يتراوح طوله ما بين (1- 2)سم اما قطره فلا يزيد على (5- 8) ملم دقيق في نهايته، وله رائحة خاصة غير مقبولة تظهر واضحة عند طحنه مع قليل من البوتاسيوم ، وله طعم مر قليلا وهو سريع الفساد، يجب حفظه بمعزل عن الهواء ويجب وضع مواد ماصة للرطوبة بجانبه ، ويتسبب (الأرغوت) في أعراض مرضية مثل الصداع ، الغثيان ، انقباضات الرحم، الخدر ، الكاروشة، والتشنجات واختلال ضربات القلب وهذه الأعراض مجتمعه تسمى  (Ergotism) والاسم العلمي لفطر الأرغوت هو (Claviceps purpurea) ، وهو معروف في الصناعة الصيدلانية كمصدر لاستخلاص عقاري  (ergotamine and ergometrine) للصداع النصفي و للطلق الاصطناعي بالترتيب  ، ويتم زراعته عن طريق التخمير و ليس في الحقول لأنه يسبب كارثة لمحصول الغلال ، والدقيق المستورد من دول ينمو فيها فطر (الأرغوت) يجب أن يتم فحصه لأن الدقيق الملوث بهذا الفطر يسبب التسمم وقد يؤدي إلى الوفاة.
* إجراء التحاليل!!
تلوث هذا الدقيق آثار الكثير من الجدل وقد أكد مجموعة منهم رؤية هذه العبوة من الدقيق في بعض المحال التجارية ومما زاد مخاوفهم تلك الصورة التي تم تداولها لأحد المواطنين السودانيين وهو يحمل عبوة دقيق ذات شكل غريب لذلك اطلقت الكثير من التحذيرات من هذه الشحنة، كما دعا مجموعة منهم لمقاطعة القمح المصري خاصة أن هذا الدقيق إذا تم التخلص منه فإنه يؤدي لانتشار هذا الفطر في التربة واصابة محاصيل الغلال ، الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس حاولت أن تبدد هذه المخاوف، مؤكدة أن الصورة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لعبوة (2) كيلو دقيق ليست لها علاقة بالرسالة الواردة من مصر وهي رسالة سابقة وردت هدية من روسيا وخضعت لإجراء الفحص والتحليل عبر مختبرات الهيئة وثبت مطابقتها للمواصفات القياسية وقد تمت ترجمة بطاقة البيان على العبوة و وجدت مطابقة لمطلوبات مواصفة بطاقة البيان، وانه في حال الهبات يسمح بالكتابة بأية لغة في ظل الظروف الاقتصادية المعلومة للجميع ، كما أكدت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس قيامها بأدوارها الرقابية على كل واردات البلاد بما في ذلك الهبات والمنح، ونفت الهيئة ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي بدخول شحنة دقيق قمح هدية مقدمة من جمهورية مصر العربية بدون أية إجراءات فنية. 
 وأكد د. عوض محمد أحمد سكراب المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس أن شحنة دقيق القمح القادمة من مصر تمت إجراءاتها بواسطة الجمارك بما يعرف بفحص الموقع (أورنيك 10) واستناداً إلى ذلك تم حجزها بالمخازن والتحفظ عليها بالتعاون مع الجهات الأمنية، وسحبت عينات بواسطة الهيئة بغرض إجراء التحاليل وفقاً لمتطلبات المواصفة القياسية الخاصة بدقيق القمح شاملة الملوثات وكل الاختبارات المتعلقة بالصحة والسلامة بما في ذلك الفطريات، ولن يسمح بالتصرف فيها إلا بعد ظهور نتائج تحليل العينات والتأكد من خلوها من أية ملوثات ومطابقتها للمواصفات. وطمأن سكراب المستهلكين أن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس تعمل وفق منظومة عمل دقيقة ومرجعيات فنية وأنها ستظل عيناً ساهرة وأمينة على حمايته والاقتصاد الوطني، مطالباً بعدم الإنسياق وراء الشائعات وعدم تخويف المستهلكين ببث رسائل سالبة وغير مسنودة بمصداقية أو دلائل علمية.
* الشحنة محجوزة!!
جمعية حماية المستهلك لها دور كبير في الرقابة على كل ما يخص المستهلك السوداني وقد تم التحرك مباشرة من قبل الجمعية للتعرف على حقيقة هذه الشحنة ، وقد أكدت جمعية حماية المستهلك عدم الإفراج عن شحنة الدقيق التي وصلت من جمهورية مصر دعماً للسودان والتي أعلنت عدة جهات تلوثها بمادة الأرغوت القاتلة، وكشف رئيس جمعية حماية المستهلك نصرالدين شلقامي عن اتصالات عدة أجراها  بمدير الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس السودانية عوض سكراب لمعرفة حقيقة شحنة الدقيق القادمة من شمال الوادي، وأضاف شلقامي أن الشحنة محجوزة في المخازن لم يفرج عنها، لافتاً إلى أنه تم أخذ عينات منها لمختبر المواصفات و عينات كذلك لمختبر الحجر الزراعي، وقال إنه لن يتم الإفراج عن الشحنة لحين ظهور نتائج الفحص من المختبرين.