عملت مع صديقنا وابن عمنا ملك السكرتارية الصحفية في السودان المرحوم الأستاذ حسن الرضي في سكرتارية صحيفة الأيام في مطلع ثمانينات القرن الماضي علي عهد الحكم المايوي، وكان (لأبو الرضي) تميمة حضرتني في هذه اللحظة، وهي أنه عندما يستقر الراي عنده علي تمصيم معين لصفحة، يقول (مافي أحسن من كده) وكانت هذه العبارة تصريح جواز للصفحة.
القرارات التي أصدرها السيد رئيس الجمهورية مساء الجمعة الماضي، وما تبعها من قرارات أسميتها جميعا (العمليات الرئاسية) هذه العمليات مهما اختلف الناس في تقييمها أعتقد أنها في مجملها تناسب الي درجة كبيرة مطلوبات هذه المرحلة، ويصدق عليها ما كان يقوله حبيبنا المرحوم حسن الرضي (مافي أحسن من كده) وهي ما كان يتوقعه كثيرون، ويرون فيه المخرج من أزمة الراهن، والبداية التي يمكن أن ينطلق منها الإصلاح الشامل لحال بلدنا في كل المجالات.
خطاب الرئيس الأول اشتمل علي عدد من القرارات، أولها إعلان حالة الطوارئ، وحل حكومة الوفاق الوطني، وحكومات الولايات، واشارة يفهم منها التخلي عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني، وأن يكون الأساس في الإختيار هو الكفاءة، فنقول أولا أن حالة الطوارئ لم يقصد منها البتة تهيئة المناخ لكبح جنوح مظاهرات الرافضين للوضع، والذين حاولوا استثمارها، ولكنها كانت مطلوبة للتأسيس لوضع الانتقال الذي تعيشه البلاد حاليا، وأعتقد أن تحديد أجلها بعام كامل هو من باب الاحتياط والاحتراز، وقد لا نحتاج إلي كل هذا العام، وقد لا يكون المطلوب أكثر من شهر. ولذلك يجب فهم حالة الطوارئ في إطارها، وعدم تحميلها أكثر مما تحتمل، ولا بد أن نشير الي أن كثير مما يشاع من قرارات يزعم الناس أنها فرضت مع حالة الطوارئ، كلها غير صحيحة، والقصد منها التشويش، ومثل ذلك فرض حظر التجوال، وإلغاء الحفلات والمناسبات، وغيرها مما يفتري بها المفترون. أما بالنسبة لتخلي الرئيس البشير عن رئاسة المؤتمر الوطني، والتي قالها رئيس الجهاز الفريق صلاح قوش صراحة، واكتفي الرئيس بالإشارة إليها فقط، وهذا يقتضي وقفة، فالراي أولا أن يتخلي الرئيس عن الحزب مرة واحدة، وحالا، إلا أن عدم استيعاب كثيرين من قيادات المؤتمر الوطني في المكتب القيادي جعله يختار عبارات رقيقة للتعبير عن هذا الموقف، فالقرار بالنسبة لقيادات المؤتمر الوطني لم تكن متوقعة، وقدر الرئيس هذا الحال، فلم يتراجع عن قراره، ولكنه أمهلهم لاستيعاب هذا القرار اللازم، ويبدو أنهم قد بدأوا استيعاب ذلك بعد أن أمعنوا التفكير في كل ما جري. وكان لا بد من حل الحكومة الاتحادية، وكل الحكومات الولائية، فذلك أمر مهم، فمعادلات المرحلة المقبلة تختلف عن كل المعادلات السابقة، وكما قال السيد الرئيس أن الكفاءة هي أساس التعيين في هذه المرحلة.
أما بالنسبة للتعينات التي ظهرت بعد ذلك، أختلف مع الذين يقولون أنها خرجت عن الأسس التي ذكرت، وأن نصيب المؤتمر الوطني فيها كان كبيرا، وقبل الحديث عن تفاصيل الاختيارات والترشيحات، لا بد من وقفة عند محطة وقف عندها كثيرون، وهي ذهاب الكومندان الفريق أول ركن بكري حسن صالح، والتي لم يستوعبها كثيرون، فأنا مثلا وعلي المستوي الشخصي، ورغم أن معرفتي للأخ الفريق أول ركن عوض محمد أحمد ابنعوف أسبق من معرفتي للكومندان، وهو من أصدق من عرفت، وهو (ود بلد) بكل ما تحمل الكلمة من معان في مصطلح القاموس السوداني، وأنه تنطبق عليه كل مواصفات الموقع المطلوبة، ونتمني له النجاج، واتوقع له أن بنجح، لكنني حتى هذه اللحظة لم استوعب ذهاب الكومندان، ونسأل الله أن يتقبل منه جهده وتفانيه خلال ثلاثين عاما ظل يعطي فيها بلا كل ولا مل.
بقية الاختيارات التي ظهرت حتى الآن يبدو في ظاهر أغلبهم الانتماء للمؤتمر الوطني، إلا أن عامل الكفاءة، والمهنية هو الغالب في سماتهم، وفي مقدمة هؤلاء الدكتور محمد طاهر ايلا الذي اختير لرئاسة مجلس الوزراء، فهو الأكثر خبرة بين كل السياسيين السودانيين، الحاكمين والمعارضين، فهو ظل يتقلب في المواقع الدستورية منذ عهد الحزبية الثالثة قبل الإنقاذ وحتى يومنا هذا، ومشهود له بالإنجاز في كل المواقع التي عمل فيها، ومعروف عنه ضبط ومحاصرة مؤسسات الحزب، وعدم السماح لها بالتغول علي أجهزة الدولة، وهذا هو سبب صراعاته المشهورة مع الحزب في ولايتي البحر الأحمر والجزيرة. ومن الذين اثبتوا كفاءة ومهنية يشهد عليها مخلفوه قبل الذين يتوافقون معه في الإنتماء الدكتور فضل عبدالله فضل وزير رئاسة الجمهورية، ولذلك كان هو أول من أعيد تعيينه، ولم ير أحد غرابة في هذا التعيين، ومن الذين قدمتهم كفاءتهم أيضا الدكتور الدرديري محمد أحمد وزير الخارجية، والسيد مصطفي يوسف حولي المكلف بمهام وزير المالية، ومثلهم البروفيسور محمد أحمد سالم وزير العدل، وهو أصلا غير منتم حزبيا، والأمير أحمد سعد عمر أعيد تكليفه لكفاءته، وليس لانتمائه للحزب الاتحادي الديمقراطي، ولا أتوقع أن يتم تعيين مؤتمر وطني آخر في وظيفة سياسية، إلا أن يحدث ذلك للأخت الدكتورة وداد يعقوب التي قدمت رؤي واعدة لوزارة التنمية والضمان الإجتماعي، وقد يعود لوزارة الصناعة الدكتور موسي كرامة. أما بالنسبة للولاية الذين تم اختيارهم جميعا مع المؤسسات العسكرية، أشهد أن كل الذين أعرفهم منهم، لا غبار عليهم، وهم الأقدر لتمثيل السيد رئيس الجمهورية والوقوف مسافة واحدة من كل الأحزاب والقوي السياسية الأخري، وبالله التوفيق.