مقالات:عمر حضرة.. تسكت بس
لم يناصر أحد من السياسيين المنسوبين للحزبين الكبيرين الأمة والاتحادي ثورة الطلاب في شعبان عام 1973م، مثل الشيخ عمر الشيخ إدريس حضرة، ورغم أنه من خلفاء الطريقة الختمية وقيادات الحزب الاتحادي الديمقراطي، لكنه كان الأقرب لقيادات شعبان من الإسلاميين والأنصار، وكان الذي يأويهم ويحميهم، فكان بيته وبيت شقيقه حسن، وكثير من بيوت الحضراب ملاذاً لقادة شعبان أولاد المكي أحمد عثمان وحسن، وفيصل خضر، بالإضافة إلى القادة الآخرين، عبد الرسول النور، وعباس برشم، وبشير آدم رحمة، وغيرهم من قادة شعبان أعضاء اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، ونذكر أن الأخ الشهيد أحمد عثمان مكي رئيس الاتحاد كان قادماً من كسلا عريساً بالقطار، كانت أجهزة الأمن تنتظره في محطة بحري للسكة حديد لاعتقاله، فتحرك عمر حضرة ومعه شقيقه حسن، إلى محطة الجيلي، وأنزلا ود المكي هناك، وهرباه بسيارة خاصة إلى واحد من بيوتهم الآمنة بعيداً عن أعين رجال الأمن في شمبات، ومما لا ينساه قادة شعبان أن أهم اجتماعاتهم عقدوها في سيارة (بولمان) مملوكة للأخ حسن حضرة، وكان يقودها مع شقيقه الأكبر عمر، وهي تحمل اللجنة التنفيذية لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم يجوبون بهم شوارع الخرطوم يعقدون اجتماعاتهم في السيارة دون أن يعلم بهم أحد من رجال الأمن الذين يبحثون عنهم في كل مكان ولا يجدون لهم أثراً.
لذلك لم أستغرب من موقف الشيخ عمر حضرة المناصر للمتظاهرين، وحمايته لبعضهم، ووجدت له العذر لموقفه الأخير ؛ وكان قد حدثني به قبل أي إنسان آخر، فكان قد أطلعني قبل أيام على الرسالة التي بعث به إلى مولانا السيد محمد عثمان الميرغني راعي الطريقة الختمية، ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي التي دعاه فيها للخروج من الحكومة، وهدد الشيخ حضرة بالانسلاخ من الحزب إذا استمر في المشاركة في الحكومة، ورأيت أن ما أصاب أسرته، وفلذات كبده قد يدعوه إلى هذا الموقف، فابنه أحمد كان من أوائل المعتقلين، ومعه ابنه أيضاً، لكنني لم أستوعب نشر هذا الخبر على لسان الشيخ حضرة، وقد نشرت عنه قبل ذلك أخبار كثيرة تدعو الى غير هذا الموقف، رغم يقيني أن موقفه هذا له ما يبرره.
أذكر في عام 1997م، على أيام مخاض مبادرة الشريف زين العابدين الهندي التي كان لي شرف تفجيرها بالحوار الذي أجريته مع حاديها الراحل المقيم الشريف زين العابدين الهندي، جمعتنا دعوة إفطار في منزل الشريف زين العابدين في منطقة الألف مسكن في شارع جسر السويس في العاصمة المصرية القاهرة، وكان من حضور المائدة المرحوم الحاج التيجاني محمد إبراهيم، والشيخ عمر حضرة، والدكتور أحمد بلال عثمان، والشريف صديق الهندي، والبروفيسور علي عثمان محمد صالح، والدكتور أمين البيلي، والأخ محجوب محمد عثمان، والزميل أحمد البلال الطيب رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم، والذي كان قد أتي ضمن الوفد الصحفي الذي جاء مرافقاً للسيد رئيس الجمهورية للمشاركة في القمة العربية، وكان قد استثمر هذه الفرصة لإجراء حوار مع الشريف زين العابدين، وبعد انتهاء الحوار، فجر الحاج التيجاني مفاجأه مدوية، وهو كشفه للقاء جمعهما مع الشريف زين العابدين بالرئيس البشير في منزل السفير السوداني بالقاهرة، ولم يكن يعلم بهذا الإجتماع أحد منا جميعاً الذين كنا حضورًا في تلك اللحظة، فبينما أبدى بعض الاتحاديين اعتراضهم وتحفظهم على تلك الخطوة، فهم يرون أنه كان على الشريف زين العابدين مشاورتهم قبل مقابلة الرئيس، فوقف عمر حضرة، وقال قولته المشهورة، (لا صوت يعلو فوق صوت الأمين العام) فسكت كل المتحفظين. ثم عاد شيخ عمر مباشرة للسودان، وخطب في أول جمعة عقب الصلاة في مسجد الحضراب، وبشر بالمبادرة خير تبشير.
لم يكتف شيخ عمر بذلك، بل سعى واجتهد للجمع والصلح بين السيد محمد عثمان الميرغني، والشريف زين العابدين الهندي، ولما وجد مباركة من الشريف، سعى لمقابلة مولانا فسافر إليه في السعودية، وسعى سعياً حثيثاً لمقابلته ولم يفلح، فعاد إلى الخرطوم، فضرب له موعد آخر مع مولانا في القاهرة، فسافر إلى القاهرة، فلم يفلح في مقابلته في القاهرة، فأشاروا إليه بأن يذهب إلى الإسكندرية لمقابلته، فلم يفلح أيضاً فعاد إلى القاهرة غاضباً، وهناك أتته رسالة من الخرطوم تفيد أن الرئيس البشير ينتظر مقابلته، فعاد إلى الخرطوم، وقابله الرئيس، وأهداه سيارة رفضها، حتى لا تشكل طعنة في نواياه، ثم تم تعيينه رئيساً للمجلس الأعلى الدعوة الإسلامية، ثم أصابته غضبة أخرى من كل فرقاء السياسة الذين كان معهم، والذين ناصرهم، فأصدر بياناً أعلن فيه اعتزاله السياسة، فكتبت مقالاً تعليقاً على الاعتزال عنوانه (عمر حضرة.. لسه بدري) ناشدته فيه الصبر لمواصلة مساعيه لتوحيد أهل السودان، وأقول له اليوم (عمر حضرة. . تسكت بس) وأمسح أحزانك، وواصل مسعاك القديم في توحيد أهل السودان.