مقالات:الحكومة والمعارضة.. أوهام متبادلة
يؤسفني جدا ألا أجد عنوانا لهذا المقال غير عنوان كتبت شيئا قريبا منه قبل أكثر من ربع قرن من الزمان في الإصدارة الأولي لصحيفة (السوداني الدولية) وكان ذلك تحديدا في العام 1993م، وكان العنوان (الحكومة والمعارضة.. أوهام القوة والشرعية) ومبعث الأسف أن أحزابنا التي تحكم، والتي تسعي لأن تحكم تقف في مكان واحد (محلك سر) لا تعتبر ولا تستفيد من الدروس والعبر، وذات الحال والفهم الذي كان عليه أكثر السياسيين والمعارضين في عام الإنقاذ الأول، هو ذات الحال والفهم في عامها الثلاثين. وأذكر في عيد رمضان الأول في عهد الإنقاذ أي عام 1990م، وهو العام الذي شهد أول محاولة انقلابية، والتي حكم على منفذيها جميعا بالإعدام، كنت أقيم وقتها في مصر مع أسرتي، فالتقينا على مائدة إفطار العيد في شقتنا التي كانت في مصر الجديدة في شارع الأندلس خلف حدائق الميرلاند، وكان أكثر الحاضرين من المعارضين، وكان رأيهم أن الإنقاذ لن تكمل عامها الأول، فقلت لهم مداعبا (أرجوكم أجلوا إسقاطها حتى عطلة المدارس، حتي لا تضيعوا عاما دراسيا على أبنائنا) وذات الوهم الذي كان يعشعش في رؤوس المعارضين، لم تخل منه أفئدة الحاكمين، فهم كانوا يتوهمون أنهم يمكن بذات السهولة التي أسقطوا بها حكومة الأحزاب، يمكن أن يستمروا بها في حكم السودان منفردين به وحدهم دون سائر قواه السياسية.
صحيح أن حال الحكومة أفضل كثيرا من حال المعارضة، إذ أنها استطاعت أن تبقى ثلاثين عاما ممسكة بمقاليد الحكم رغم المحاولات المتواصلة لاسقاطهم، ولكنهم دفعوا ثمن ذلك غاليا، فلا تكاد الحكومة تتجاوز محنة، حتى تدخل في محنة أخرى أعظم منها، ولعل محنة هذه الأيام لم يسبق لها مثيلا، وكنت أتوقع أن تكون عبرها كافية للحكومة والمعارضة معا لتجاوز أوهام السنين الغابرات، ولكن للأسف الشديد لم يزدادوا إلا أوهاما وغيا. وقد لا ينطبق هذا على كل الحاكمين، وكل المعارضين، وهو قطعا لا ينطبق عليهم جميعا، ولكن علي الأقل الوهم هو السمت الغالب في تفكير الأكثرية هنا وهناك.
فعلى الرغم من أن كل محاولات حشد المعارضين لم تبلغ 10% من الهدف في كل عملياتها، ومراحلها، لكنهم يتعاطون مع الأحداث وكأنهم قد حققوا أكثر من 90% مما كانوا ينشدون، فصاروا يتعاملون مع الحكومة وكأنها قد سقطت تماما، وصاروا يرتبون لأوضاع ما بعد السقوط، ذلك على الرغم من أن منحنى أعمال انتفاضتهم في حالة انحدار إلى أسفل مع فجر كل يوم جديد. أما بالنسبة للحكومة فلقد أنساهم ضعف مردود مساعي المعارضين في الحشد كل الأصول، وأنسى كثيرين منهم حتى أصول الدين الذين يستندون عليه في كل شئ، بما في ذلك فقه تغيير السلطة بالقوة في العام 1989م، ولعل بعض ما يرشح من أقوال وأفعال من بعض سدنة الإنقاذ وكهنتها يثبت ذلك، فلم يعد أحد يستصحب معه حال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن جاء داخلا مكة فاتحا، وأهلها صاغرون، فسألهم (ماذا تظنون أني فاعل بكم؟) فكان ردهم المعلوم للجميع، (أخ كريم ابن أخ كريم) فجاء الرد النبوي الذي كان ينبغي أن يكون هاديا لكل السالكين، (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ونسي كثير من الحاكمين أن الحكم ليس بالقوة، ولكنه بفضل من الله، وأن الله سبحانه وتعالى أغرق فرعون وهو في عزة مجده، ذلك أنه رد الأمر كله إلى سلطانه وقوته، فلم يعد كثيرون يعملون حسابا لأي شئ غير معايير القوة، وكأنهم قد أمنوا مكر الله، والعياذ بالله.
إن مثل حالة الوهم المتبادل هذه تزيد من حدة أزمة الوطن، وتضعف آمال الحلول الموضوعية التي ينبغي أن تستوعب كل أهل السودان، وتكفينا شرور الحلول العشوائية غير معلومة العواقب، والتي يمكن أن تدخل البلاد والعباد في نفق مظلم، والمخرج من هذا يكون مدخله الخروج من حالة الوهم المتبادل، والنظر إلى الأمور بموضوعية وعقلانية، والحافظ الله.