الخميس، 24 يناير 2019

مقالات:أحمد هارون.. يوم شكرك جاء

يحكي أن شيخاً حفظ أهل قرية القرآن الكريم، ودرسهم علومه، والفقه، وعلم الحديث وغيره من العلوم والدراسات الإسلامية، فجاءه نفر من أهل القرية يسألونه ماذا يفعلون له بعد مماته لتخليد ذكراه، فقال لهم إذا مت فألقوا بجثماني في الخلاء، فقالوا له هذا لا يجوز في حقك وقد أحسنت إلينا، فقال لهم إن كان الأمر كذلك، فأدفنوا معي في القبر بعض الذهب والفضة، والعسل والسمن، وسيف ورمح، وأربطوا على شاهد القبر جواداً من خيرة أنواع الجياد، فقالوا له وماذا تفعل بذلك وقد وافتك المنية، فقال لهم إن كنتم تعلمون أن ذلك لا يفيدني بعد الموت، فلماذا لا تفعلونه في حياتي. ومنذ أن سمعت هذه الحكاية، تمردت على مقولة أهل السودان، (يوم شكرك ما يجي) فالشكر يكون في حياة الإنسان وليس بعد مماته. والشكرلله من قبل ومن بعد.

فلما سمعت يوم أمس الأول أن طريق الصادرات الأبيض بارا أم درمان قد اكتمل، وأن السيد رئيس الجمهورية سوف يفتتح هذا الطريق في الثلاثين من يناير الجاري، أول شئ فعلته سجدت لله شكراً وحمداً، فهذا توفيق من لله، ومنة منه تستوجب الشكر من كل أهل كردفان، ويجب الشكر علينا نحن أعضاء لجنة النفير العليا أكثر من غيرنا، ويجب علي شخصياً أكثر من كثيرين غيري، وقد راهنت على نجاح النفير، وبلوغ غاياته المنشودة، ويزداد استحقاق الشكر والحمد لله تعالى، وقد راهنا على أخينا أحمد محمد هارون أن ينجز ما وعد، وكان هناك آخرون يثبطون، ويشككون.

صحيح أن مولانا أحمد محمد هارون هو القائد التنفيذي لمشروع نفير نهضة ولاية شمال كردفان، والذي يكون قد حقق أهداف هذه المرحلة (موية، طريق، مستشفى) ولكن هناك كثيرون لهم نصيب كبير في ذلك، نذكرهم حسب السبق في المبادرة، أولهم النائب الأول لرئيس الجمهورية السابق الأستاذ علي عثمان محمد طه، صاحب فكرة النفير، ثم الوالي السابق أخي وابن عمي وزميل دراستي معتصم ميرغني حسين زاكي الدين، ذلك الرجل الصادق المتجرد، فعندما داهمه المرض، ولم يقوَ على تكملة المشوار تقدم باستقالته من منصب الوالي، لكنه لم يقعد، فشكل أكبر داعم لأخيه الذي ولي الأمر بعده أحمد هارون، ثم شيخنا وكبيرنا، وكبير أهل السودان كلهم الراحل المقيم المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب، الذي توحد خلفه أهل كردفان، ووقفوا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وبوجهه انفتحت أبواب الخير للنفير داخل السودان وخارجه، ولولاه من بعد فضل لله تعالى، لما تحقق كثير مما أنجز، وكان لتسليمه وثيقة النفير للسيد رئيس الجمهورية وقع خاص، ولا ننسى لجنة الخبراء بقيادة الخبير الدكتور سيد زكي وزير المالية الأسبق، وهنا يأتي دور السيد رئيس الجمهورية سعادة المشير عمر حسن أحمد البشير، الذي أوفى بكل ما وعد، وزاد على ذلك كثيراً، ثم الكومندان أخي الفريق أول ركن بكري حسن صالح، الذي ما أن تولى الأمانة اعتبر النفير من تحدياته وواجباته الخاصة، لا سيما طريق الصادرات الذي ظل يتابع خطواته مرحلة بعد مرحلة، إلى أن وقف على آخر عمل فيه الأسبوع الماضي. أهل الولاية كلهم أصحاب حق، فلم يتخلف أحد من دعم النفير، ولقد رسموا لوحات معبرة عن العطاء والوفاء، ولقد سطرنا، وسطر كثير من الزملاء بعض ملاحم أهل كردفان الرائعة في دعم النفير، ويذكر الناس مواقف ستات الشاي، وسائقي التاكسي، والعاملين في الورنيش، والحلاقين الذين يرفضون أخذ الأجر من ضيوف ولاية النفير، هذا غير أصحاب العطاء الظاهر أصحاب الأعمال والغرف المختلفة، وأهل المهن والحرف والصناعات الصغيرة وغيرها، ونقولها باختصار كل أهل ولاية شمال كردفان. ونخص بالذكر أبناء الولاية في دول العالم كلها، لا سيما الدول العربية، وهنا يكون الاختصاص من حق أبنائنا في قطر، ودولة قطر كلها، والأمير الوالد الشيخ حمد الذي أحسن استقبال وفد الولاية بقيادة كبيرنا الراحل المشير سوار الذهب والوالي أحمد هارون، وخصت الشيخة موزة الولاية بزيارة خاصة، ومشروعات مخصوصة، ونقرب التخصيص في المملكة العربية السعودية، فنذكر أخواني (كشولا أخوان) شيخ حمودة، وكير، والراحلين المقيمين عثمان ومحمود،ونذكر معهم الشيخ الذي صار اسمه على كل لسان في كردفان بما أنجز، لا سيما مركز غسيل الكلى بمستشفى الأبيض، ونذكر وزارة الضمان الاجتماعي ووزيرتها السابقة الأخت مشاعر الدولب، ووزير الدولة ابن عمي إبراهيم آدم، فلقد صار مستشفى الضمان في الأبيض صرحاً طبياً عظيماً، ويستحق الشكر كثيرون من التنفيذيين الذين كانت لهم مساهمات واضحة في دعم النفير، نذكر منهم من نعرفه، ونسأل الله أن يتولاهم جميعاً برحمته وفضله، ونذكر منهم وزير السدود الأسبق الأخ أسامة عبدالله الذي قدم أول دعم لمياه الأبيض، ووزير المالية الأسبق الأخ بدر الدين محمود الذي لم يكتفِ بوعد الدولة فقط، وإنما زاد عليه بحشد كل المصارف العامة والخاصة في بيته، لدعم النفير، وهنا لا بد من شكر خاص لابن الولاية الأخ مساعد محمد أحمد رئيس اتحاد المصارف السابق، ويستحق واحد من أبناء الولاية الأبرار شكراً مضاعفاً، مثل (سير) السيد عبد الرحمن المهدي، والذي قال عنه البعض أنه (باقي الجلد) وهو الأخ الحبيب الدكتور بشير عمر فضل الله وزير المالية في عهد الديمقراطية الثالثة، والخبير الاقتصادي العالمي، فلقد تجاوز بشير عمر كل خلاف سياسي وغير سياسي، وأعلى فقط من قيمة انتمائه الكردفاني الأصيل، واعتزازه بمشروع النفير، فاوقف ثلاثة أيام من كل شهر لصالح النفير، يجمعها كل ثلاثة شهور ويأتي لإقامة دورة تدريبية متقدمة مجاناً في الولاية، حتى تجاوز عدد الذين تدربوا على يديه المئات. شركات كثيرة كانت لها أدوار عظيمة في نجاح مشروعات النفير، ونشكرها في شخص أعظمهن إنجازاً، شركة زادنا ذات البصمات الواضحة في المرحلة الماضية، ولا بد أن نذكر أخرى يعول الناس عليها كثيراً لا سيما في مجال الزراعة، وبصفة أساسية في منطقة خور أبو حبل، وأعني شركة محجوب أولاد وقائدها العبقري المتفرد الأخ الدكتور وجدي ميرغني محجوب.

القطاع الإعلامي والصحفي كان له القدح المعلى، وليس لأني من أهل هذا القطاع، ولا لأني كنت رئيس هذا القطاع في اللجنة العليا للنفير، ولكن هذه وتلك أتاحت لي فرصة معرفة ما لا يعرفه كثيرون، فلقد تفاعلت كل الأجهزة الإعلامية والصحفية مع النفير بإيجابية عالية، فكل الصحف والقنوات منحتنا منذ اليوم الأول خصماً 50% لإعلانات النفير، عدا الأخ المهندس الطيب مصطفى، فلقد جعل خصمه 100% فكانت صحيفته التي كان يمتلكها (الصيحة) تنشر إعلانات النفير مجاناً، وكان يمكن لهذا أن يستمر حتى اليوم لولا التقاطعات والمجاملات، أما قناة الخرطوم الفضائية فهي أكثر من قدم خدمة إعلامية مجانية للنفير، فلقد بثت عشرات الحلقات من برنامج (بانوراما النفير) الذي تشرفت بإعداده وتقديمه، هذا فضلاً عن برامج أخرى تفاعلية وتوثيقية عديدة، ولهذا تبنى الأخ أحمد هارون مشكوراً مبادرتنا لتكريم القناة، وحادي ركبها الأخ الفاضل الدكتور نضال عبد العزيز، والفريق الذي عمل بتفانٍ وإخلاص في برامج النفير، حتى صاروا معروفين لكل أهل الولاية.

وأقول ختاماً لقد جاء اليوم الذي يزف فيه أهل كردفان ابنهم أحمد هارون عريساً وبطلاً للإنجاز، وأعظم ما أنجزه أحمد هارون أنه أحيا في أهلنا القيم الكامنة، وأحسن خطابهم، فأحسنوا اتباعه، فصاروا جميعاً شركاء في هذا الإنجاز العظيم، وصار أحمد هارون مثالاً للإنجاز في عهد الإنقاذ، وصار يضرب به المثل، ليس في الإنجاز وحده، ولكن في قيادة شعبه، فشكراً أهل كردفان جميعاً، وشكراً أحمد هارون، وشكراً السيد الرئيس بما أنعمت علينا به يوم أن دفعت لنا باخينا أحمد وأنت في حاجة ماسة له، لكنك قدرت أن أهله أولي به، والشكر لله من قبل ومن بعد.