الأحد، 27 يناير 2019

مقالات:قطار الشوق

تنشقت في هذا الصباح عبيراً أتاني من هناك ...سنوات خلت وأيام مضت وتمثل لي  بيتنا بكل مكوناته (الحميمة )أمي أبي ...حبوبة...ونحن بكل براءة الطفولة وعنفوان الشباب...مقسمين صف أول ...وصف تاني ...اخواني الذكور (بكل وسامتهم )وتفوقهم الدراسي الجاذب جعل منزلنا محط آمال حسان الحي قريب وبعيد...صف أول... يابت جيبي لاخوك الشاي ...قومو سوو لاخوانكم العشاء...فرشتو حوش الأولاد...نمتثل نحن ناس (الصف التاني)ونؤدي التزاماتنا المنزلية ونذاكر ونتفوق كمان ...كل يوم حصة ليلة في شكل قصة ، تفتح أفقك للحياة وتعلمك قيم ومبادئ ..وتضع أمامك خطوط حمراء وصفراء ومحاذير....

كنا أسرة كبيرة تحت رعاية أب مثقف نستيقظ على تلاوتة للقرآن ..يسمع الحقيبة ، ويتابع الأخبار ويسافر بلاد الدنيا...وأم هميمة رحيمة ...حازمة ورقيقة تقش دموعنا وتهمس في أذنك (يابتي أنا خايفة عليك ودايرة نجاتك في الدنيا والأخرة أبكي واتعلمي وميزي الصاح من الغلط)...أم تدرس في الزاوية القرآن ، وتقرأ لاحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ،وتواصل الأرحام والجيران...
كنا نسكن حلفاية الملوك بالايجار...وبعد أن اغترب (الاخوان الكبار)انتقلنا إلى مدينة الرياض...ومنزلنا لم يكتمل  بعد ...الشبابيك كانت مغطاة (بالشوالات)...ولا توجد أبواب..ولا كهرباء ولا بلاط.بكينا حين رأينا المنزل ..انتهرنا ابي ...ده حقنا ملكنا نتمو إن شاء الله بعد  مية سنة حسب قدرتنا ..إياكم أن تقارنوا
وتعاينوا لي فوق ...قولوا الحمد لله ..وإياكم تشوفوا روحكم أقل من الناس ..مال الدنيا عارية...وقيمتك في أخلاقك ودينك وتميزك....كلمات قليلات سكنت أرواحنا وقلوبنا الصغيرة...وكونت نسيجنا ...ظننا بعد الجيران في الحي الراقي (أولاد خفراء)...وما في حد جا زارنا ..في اليوم التالي خرجت أمي ..وزارت كل الحي ، وحين منعناها قالت عبارة لن أنساها...يابنات ...يوم القيامة بجي براي وكل زول بيسأل براهو...
بعد أقل من سنة أصبح منزلنا (المحطة الوسطى )كل شباب وشابات ونساء ورجال الحي لا يفارقون منزلنا ..كل منهم وجد رفيق وصديق...
عشنا معاً نبكي بالحي وووب ونحضر أعراسهم في عرض الشارع بأغنيات حسين شندي...(جاي تسأل عني ليه ..ما خلاص ريد وانتهى وطول عمري مابندم عليه...)...وقطار الشوق متين ترحل....جارتنا مدام (نينا الايطالية وزوجها مستر انجلو)وبناتها جولي وآني...وكلابها المتوحشة وعطرها وكرمها وهداياها ...اسباجتي وألواح ثلج وشيكولاتة..ونصيحة لطيفة وابتسامة ودودة...
كنا سعداء ...نتذوق طعم أي لحظة ..تسعدنا شتلة زهور جديدة...ولوح بلاط في الممر..وطقم شاي...لا شيء يملأنا نفوسنا سوى الرضا...ننام ملء جفوننا ونصحو بالأمل ودعوات أمي وأبي...
رحل الأعزاء ..في صباحات ومساءات أسيفة ...ذبلت الأزهار...ضجت الالواح ونبت عن الأرض...تكسر طقم الشاي...
أغنيات حسين صارت مناحة رحبة ومساحة شاسعة من الحزن...
ما عادت كلاب مدام نينا متوحشة...كل الحي كالح باهت...العمارات السوامق اغتالت احلامنا...صوت البمبان ...صفير  أبواق الشرطة ..هتاف الثوار...وعملية بالغة التعقيد لوطن جريح ...
ما السبب في انهزامنا ؟ولماذا لم نعد نقتات سوى الدموع المالحة...؟
رحمتك يارب بنا وبأوطاننا....
زاوية أخيرة..
ستنتهي الحرب..
ويتصافح القادة...وتبقي تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد..
وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب
وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل..
لا أعلم من باع الوطن!
ولكنني رأيت من دفع الثمن..