مقالات:سيف الدين الدسوقي .. عليكم الله أطروه
تختلف اللغات واللهجات وتتعدد أطياف القول و تلاوين الحكايات، فيما يبقى الشعر وحده عارماً وعالياً فوق صراعات البشر وتمزقات الأيديولوجيا، يبقى الشعر الحقيقي والمنساب بشفافية تجاه القلب والمخيلة هو الشعر المنتمي لوهج المحبة الإنسانية الشاملة والموصولة بالنبل والأمل رغم الوجع الداخلي والألم الشخصي والمآسي المقرونة بجنون السياسة وجشع التجار وغطرسة العسكر وغبائهم.
إحساسي لا يعرف طعم المال او البترول
الشاعر يسمع صوت الحسن
ويحسن كل فنون القول
لكن ان يحيا فى ارض جفاف
ان يصنع اعصاباً من الياف
لتكون مكان الحس على الانسان
فمحال ذلك ليس من الامكان
لن أتحدث عن الراحل الأستاذ الكبير سيف الدين الدسوقي بصفته شاعراً وشاعراً مبدعاً، فلذلك مجال آخر، لكني مشدود إلى موضوع التزامن بين رحيل هذا الشاعر الكبير، وما تتعرض له البلاد من أوجاع شتى، وما يمكن أن يكون قد تركه هذا الواقع الجارح والفاجع في نفس شاعر على درجة عالية من الحساسية والشعور المرهف:
كنا فى ماضينا قوة قوة تتحدى الصعاب
نقطع الليل المخيم ونمشى فى القفر اليباب
كنا للناس رمز طيبة وكنا عنوان للشباب
وهسي تائهين لينا مدة نجري من خلف السراب
وربما أحس شاعرنا العظيم في لحظة يأس معتمة بعدم جدوى ما نهرقه من حبر، وما نبدده من كلمات لا تستطيع أن تسكت صوت الجوع في أحشاء طفل، من حقه أن ييأس من جدوى الحياة والشعر والنثر، ومن حقنا أن نشاركه في يأسه المبرر وإحباطه المميت، إذ لا غرابة أن يموت الشاعر الكبير سيف الدين الدسوقي في هذه الأيام الحزينة الكئيبة، وأن يجد في الموت قصيدته الأخيرة، وربما شفاءه الأخير، من عذابات الشوق والرغيف ولوعة الذكريات التي لا يملك غيرها:
يا حبيبي ليس عنـدي غيـر هـذه الذكريـات
عن هوانـا ولقاءنـا فـي الليالـي الماضيـات
ويح قلبي ضاع أمسى في تضاعيف الحياة
يا حبيبـي ليـس بـعـد الهـجـر الا الاغنـيـات
إنه لمن المحزن أن يكون آخر مشهد رأته عيناه، أو رآه قلبه، دخان الألم المتصاعد في البلاد جراء السياسات الجائرة والسوق غير المنضبطة، ولعل الذين كانوا إلى جوار الدسوقي قبل أن يغلق عينيه إلى الأبد، قد استمعوا إليه وهو يردد لنفسه:
«ماذا اصاب ضمير الناس في زمن
صعب كان به داء من الكلب
هذا زمان غريب كيف نعرفه
او كيف يعرفنا من زحمة الحقب»
أو لعله كان يردد:
أعود من غربة لى غربة أهاجر حتى فى وطني
أعايـن لا مكاني مكـان وأفكـر لا الزمـن زمنـى
مات شاعرنا، وهو يمسح آخر الدموع التي تساقطت من عينيه بمناديل الكلمات التي رافقته منذ صباه ومطالع شبابه:
« وامسح عن القلب ما يلقاه من عنت
واغسل عن الوجه لون الحزن والغضب
فقد اعود كما قد كنت من زمن
فخر الشباب ورب الفن والادب «.
نم، أيها الشاعر العاشق في قبرك .. ودع لنا خسارة الشعر، وقلق الكتابة الخربة:
بودعكم وتبقى سعادة الأحلام
لو بالأيد أعيش بينكم مدى الأيام
وفى الأخر، وداعاً أوعوا تنسونى
أنا المشتاق، بشيلكم جوه فى عيونى
وبطراكم، عليكم الله أطروني