مقالات:سودانير.. كله بيد الحكومة
سمعني أحد الأصدقاء أتحدث عن الناقل الوطني، وهو يعلم صلتي بشركة الخطوط الجوية السودانية التي تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، فسألني عن حال سودانير اليوم، كيف وصلت سودانير إلى هذه الدرجة من التردي، وهل يمكن أن تنهض مرة ثانية، فقلت له إنها اليوم في مرحلة انتقال يمكن أن تنهض منها وتعود أقوى مما كانت، أو تذهب إلى هاوية ما لها من قرار. ولتفصيل أكثر عن وضعها الحالي، فلقد تم تسريح كل العاملين فيها ، وكان عددهم 1567 من كل الوظائف والدرجات، وتم استيعاب 465 منهم حسب حاجة الشركة والمؤهلات العلمية والتجارب العملية، وهؤلاء يعملون وفق خطة محكمة، وتعمل الشركة الآن في خطين خارجيين فقط هما القاهرة وجوبا، ورحلاتها إليهما في غاية الانضباط، ولكن هذا وضع انتقالي يجب أن يتغير سريعاً، وأقول بثقة شديدة وبمعلومات أكيدة، أن كل ما أصاب الناقل الوطني من تردٍ كان بفعل الحكومة، وأنها لا يمكن أن تنهض ما لم تعالج الحكومة أخطاءها السابقة التي قادت إلى هذه الأوضاع.
وأقول إن الأزمة بدأت مع دخول شركة عارف الكويتية، فلقد لازم هذه الشراكة فساد حكومي كبير، أولاً كان الإتفاق أن يكون نصيب السودان 51% ونصيب الشريك الأجنبي 49%، فتم منح شركة عارف نسبة الـ 49% المتفق عليها، وبالنسبة لحصة السودان أخذت وزارة المالية نسبة 30% ومنحت شركة سودانية قيل إنها تمثل القطاع الخاص نسبة 21% لتصير حصة السودان 51% ولكن وللأسف الشديد اتضح أن شركة القطاع الخاص السوداني هي شركة مسجلة فقط في السودان، ولكنها في الحقيقة مملوكة لشركة عارف، ونصيب عارف فيها 96% والـ 4% يمتلكها محسوبون على الحكومة، هم الذين مرروا هذه الخدعة، وخسر السودان منها ما خسر، بما في ذلك خط هيثرو، وكسب الشركاء ما كسبوا، وكان هذا هو بداية الإنهيار بفعل الحكوميين الذين مرروا، هذه الخدعة، ولعلم الذين يعلمون، ولا يعلمون، فإن لجنة للتحقيق في هذا الفساد ، قد كونت قبل سنوات، منذ أيام الوزير الدكتور أحمد بابكر نهار، وأعدت هذه اللجنة تقريرها، وكشفت المفسدين بأسمائهم، وأوضحت أن مخالفات البعض جنائية، وآخرون مخالفاتهم مدنية، وبعض آخر مخالفاته إدارية، ولكن ظل هذا الملف في طي الكتمان، ولم تتم محاسبة أحد، وهذه كانت واحدة من صور الفساد القبيحة، ويعتبر عدم محاسبة المفسدين خير دليل على ضعف، أو انعدام الإرادة الحكومية في محاربة الفساد.
صورة أخرى من صور الفساد الحكومي والتي أضاعت أموالاً طائلة ليس على سودانير وحدها، وإنما على الوطن كله، هي عملية فتح خدمة المناولة الأرضية لشركات ليس لها علاقة بالطيران، فكل الدول لا سيما المحيطة بنا، مثل مصر والسعودية، وأثيوبيا تحصر حق المناولة الأرضية للناقل الوطني، وهذا يتيح له معاملة شركات الطيران الأجنبية بالمثل، وهذا ما كان يحدث في السودان قبل السماح لشركات أفراد مرضي عنهم بالدخول في خدمة المناولة الأرضية، ونتيجة لدخول هذه الشركات والتي تقدم خدماتها بأسعار زهيدة تحولت كثير من شركات الطيران الأجنبية الى الشركات الخاصة، فبعد أن كانت تدفع هذه الشركات ثلاثة ألف دولار لخدمة الطائرة في مطار الخرطوم، صارت تدفع خمسمائة دولار فقط، وأحياناً أقل، هذا الفرق يصل في العام إلى نحو مائة ألف دولار، هذا فضلاً عن أن سودانير تظل تدفع في بلدان هذه الشركات ما كانت تدفعه من قبل. وهذه حلها بقرار حكومي يصدر في لمحة بصر، وأذكر قبل نحو خمس سنوات أو يزيد عقدت ورشة في مجلس الوزراء بهذا الخصوص، وأوصت الورشة بجمع الشركات العاملة في المناولة الأرضية في شركة واحدة مع سودانير، حتى تتمكن الشركة الجديدة من محاسبة شركات الطيران الأجنبية بالمثل، وهذا يعيد للسودان الأموال الضائعة، وتتوزع هذه الأموال العائدة بين الناقل الوطني، والشركات الأخرى، ولقد كتبنا كثيراً في هذا الموضوع، وكتب آخرون، ولكن لا حياة لمن تنادي.
أمر آخر غريب، هو فتح الأجواء السودانية لكل من هب ودب، وحتى لا يتمشدق المتمشدقون بالقوانين الدولية، فإن دولاً مثل مصر وأثيوبيا، لم تلتزم بهذا، وهي تلزم الشركات الوطنية بعدد مماثل من الرحلات التي تسيرها، وإن أرادت رحلات إضافية يتم الاتفاق عليها، أما الشركات التجارية، فلا تسمح لها بالهبوط في المطار الرئيس. أما بالنسبة للسياسة التي تم إتباعها في السودان فهي تسمح للشركات الوطنية بتسيير العدد التي تطلبه من الخرطوم إلى بلدانها، كما وتسمح لها بأخذ ركاب من الخرطوم إلى أي مكان في الدنيا، وتسمح كذلك للشركات الخاصة بالهبوط في مطار الخرطوم، وأخذ الركاب منه، وهذا كله يكون خصماً على شركة الخطوط الجوية السودانية الناقل الوطني. وهذا علاجه قرار بجرة قلم، ولكن من يمتلك الإرادة في اتخاذ القرار.
هناك قضايا خاصة بأوضاع مهمة متعلقة بتسيير الشركة، أهمها حقوق العاملين الذين تم الاستغناء عنهم، وهؤلاء أخرجت الشركة قطعة أرض في قلب الخرطوم لبيعها مقابل هذه الحقوق، وتم تخصيص هذه الأرض للشرطة، ووضعت الشرطة يدها على الأرض، وأقامت عليها منشآت، وصدر قرار من رئاسة الجمهورية يأمر وزارة المالية بسداد قيمة الأرض من حساب الشرطة إلى حساب الخطوط الجوية السودانية، وتلاه قرار آخر مماثل، ولكن حتى هذه اللحظة لم يحدث شيء، ومعلومة الأوضاع السيئة التي يعيشها العاملون في سودانير الذين فقدوا وظائفهم بسبب إعادة الهيكلة، وعلاج ذلك كله بيد الحكومة. أمر آخر مهم وقد لا يصدقه من لا يعلمه، فإن الخطة التي وضعتها شركة Airbus لنهضة الناقل الوطني تحتاج إلى ثلاثين مليون دولار فقط، فلو أن الحكومة وفرت هذا المبلغ بأي طريقة، أو أتاحت للشركة فرصة التحرك لتوفيره، وأعانتها بالقرارات المطلوبة لحماية الناقل الوطني، مثلما هو معمول به في كل الدول الشبيهة، فإن عاماً واحداً فقط كافٍ لأن تشرق شمس سودانير من جديد بإذن الله القادر القدير.