مقالات:ام درمان الفكرة والتاريخ
ام درمان مدينة الأصالة والثقافة والتاريخ والإبداع والجمال الذي نلمحه في أزقتها واحيائها ونفاجاتها ودهاليزها وطوابيها وبواباتها ومعالمها وتراثها وانسانها وشخصياتها الذين يشهد لهم بالنبوغ والتفوق والتميز في كافة أوجه الحياة حيثما أقاموا وأينما ارتحلوا ,, سميت بهذا الاسم أُمدرمان اطلق على صبي هو من الاسماء السائدة في مملكة علوة ,وقد نسب اسمه الى اسم والدته حتى صارت (أُم درمان ) ولما جاءت دولة الفونج على انقاض مملكة علوة في اوائل القرن السادس عشر اصبحت أُم درمان سوقا تجاريا رائجا تمر به القوافل القادمة من سنار في طريقها الى دنقلا ،و اما امدرمان الفكرة والتاريخ فقد ولدت مع الإمام المهدي ابان فترة المهدية حيث اطلق عليها (البقعة المباركة ) فانصهرت فيها كل القبائل والأجناس السودانية ,وهي تتكون من اربعة وثلاثين حيا وليس حلة او ديم كما في بحري والخرطوم مثل(ديم التعايشة وديم القنا ) وحتى الامتدادات الجديدة لها اصبحت تسمى مدنا مثل مدينة النيل ومدينة امدرمان الجديدة (أُمبدة) بالرغم من انه لم يشتهر،و من احيائها القديمة والعريقة حي ابو روف ، حي الهجرة ، حي ود نوباوي ، حي العرب ،حي العرضة وغيرها ,,, واخرى سميت باسماء قبائل مثل حي الرباطاب ،حي الخنادقة اما المؤسسات المهدية فقد اتخذت منها اسماء خلدها التاريخ مثل حي الملازمين حي بيت المال ... ومن احيائها مايتصف بصفة معينة مثل حي المسالمة الذي يسكنه المسلمين والمسيحين والاقباط في تعايش دينى على المحبة والسلام والجمال وحي ود أُرو ويسكنه المحس و(أُرو ) كلمة محسية تعني (بحر العلوم) اما حي لضباط فقد نشأ بقيام اول ثورة اوتمرد من الفرق السودانية التابعة للجيش المصري ضد القيادة البريطانية في أُمدرمان وهم الذين فصلوا وأسسوا حي الضباط سنة 1900 وفي هذه الاحياء تلمح النماذج والتصاهر والحميمية والانسجام وتتجلى فيها المعاني وقيم الرجولة والشجاعة والشهامة والكرم وبذا اصبحت امدرمان وعاء جامعا لكل السودان وهذا ماجعلها تقوم على اساس وطني وقومي ولها قصب السبق في التميز والتفرد دون مدن السودان الاخرى ,,وفي المجال السياسي فان اول تنظيم سياسي ضد الاستعمار البريطاني نظمته جمعية الاتحاد السوداني في امدرمان التي تحولت الى جمعية اللواء الأبيض بقيادة عبيد حاج الامين وبابكر قباني وكذلك اقيم فيها نادي الخريجين الشهير معقل الحركة الوطنية والفكرية وايضا مؤتمر الخريجين وثورة 1924 ومن اهم ابطالها وثوارها البطل على عبداللطيف والبطل عبدالفضيل ألماظ ...ومن الناحية التعليمية انشئ فيها المعهد العلمي سنة 1912 وهو اول معهد ديني وكان نواة لجامعة امدرمان الاسلامية التي اسست سنة1965 وقد نظم فيه الشاعر التجاني يوسف بشير قصيدته العصماء
يامعهدي ومحط عهد صباي من
دار تطرق عن شباب نابه
قسم البقاء اليك في اقداره
من شاد مجدك في قديم كتابه
وعندما انشأ الشيخ بابكر بدري مدارس الاحفاد لتعليم البنات في مدينة رفاعة حاربه ووقف ضده الأهالي فقام بنقلها الى امدرمان التي استقبلته بالسعة والترحاب . وشهدت امدرمان العديد من المنابر والمنتديات الثقافية والادبية والفكرية على شاكلة(المقاهي) ومنها كانت تناهض الاستعمار ابرزها قهوة جورج مشرقي ويوسف الفكي ...اما سوق امدرمان الكبير فقد كان يحوي عددا من الأزقة والشوارع والأسواق التي سميت مجازا مثل سوق الصاغة وشارع العناقريب وزقاق الخراطين الذين برعوا في صناعة (الاناتيك) والمجسمات من سن الفيل والأبنوس وغيرها من المواد ... وامدرمان تزخر بالمشايخ والعمد ورجال الدين والطرق الصوفية والمساجد والخلاوي والمسايد والقباب والتكايا ولعل اشهرها تكية الإمام عبد الرحمن المهدي في مسجده بود نوباوي اما خلوة الكتيابي فقد تخرج فيها ألمع وأكفا أبناء امدرمان مهنيا واكاديميا ،وفي جانب الثقافة والرياضة والفنون والآداب هناك عباقرة وأفذاذ اسهموا بفكرهم وجهدهم وعلمهم وعطائهم في بناء نهضة وحضارة هذا السودان الحبيب منهم على سبيل المثال الزعيم اسماعيل الأزهري الذي كانت جذوره في مدينة الأبيض التي تشبه أُمدرمان الى حد ما ،الإمام عبدالرحمن المهدي ،محمد احمد المحجوب ،عبدالكريم ميرغني ،عبدالخالق محجوب ،مبارك زروق ، احمد يوسف هاشم (ابو الصحف) خالد ابو الروس ،الدرديري محمد عثمان ،والقائمة تطول ، اما الحركة النسائية فقد بلغت شأواً عظيما في ادرمان نذكر منهن د.خالدة زاهر أول طبيبة سوانية سودانية ، فاطمة احمد ابراهيم ، سعاد الفاتح ، حاجة كاشف وأخريات ولابد من ذكر الفنانة حواء الطقطاقة التي توشحت بعلم السودان في يوم الاستقلال ... وفي امدرمان تتوسع وتمتد الحيشان والنفافيج والدهاليز كما ذكرت ومنها دهليز /صالح جبريل الشهير في حي القلعة التي فتن بها الشاعر ابوصلاح فكانت
العيون النوركن بجهرا
غير جمالكم مين السهرا
يابدور القلعة وجوهرا
وامدرمان نسجت خيوط التلاقي والترابط مع جنسيات وشعوب اخرى فقد سكنها الهنود والشوام وايضا اليهود سواء الذين اسلموا في فترة المهدية ورجعوا لليهودية مرة أو الذين جاءوا مع كتشنر او بعده منهم د/سليمان بنيوتي الطبيب المعروف ونزار ليفي وزوجته إستر بسيوني أول مفتشة للمعارف وهكذا هي امدرمان التي تغنى لها الشاعر/محمد بشير عتيق
امدمان سكونه امان
فيها جنان وفيها حنان
فيها العظماء والاعيان
وفيها جهاز لكل كيان
وياما كم اديب فنان
ليهو يشار بكل بنان
كنزها جامع واسمها لامع
في السودان وكل مكان