الأربعاء، 30 يناير 2019

مقالات:رجل يبني مدينة

كانت مدينة مروي في العهد الاول من الإنقاذ ( تسعينات القرن الماضي )  مدينة تعاني من آثار الفيضانات والسيول خصوصاً سيول  8891م والذي أزالة الجزء  الكبير من المدينة من خارطة الأرض ودمر معظم مباني المؤسسات الحكومية والمدارس المحاكم  السجون- قسم الشرطة  الأراضي  المحافظة- وأغلب المباني حتى المستشفى.  وظلت المدينة هكذا مع بعض المحولات المتواصلة من قبل الحكومات المتعاقبة ( نميري- الأحزاب  كذلك الانقاذ في أيامها الاولى حتى جاء هذا الرجل محمد حامد البلة في سنة 1996 محافظاً للمدينة.
ولو لم أكن شاهداً على التجربة ما كنت لأصدق أن سودانياً يمكن أن يعمل مثل هذا العمل ( خواجة أو غيره) وله قصص كثيرة يمكن أن أقص  على القارئ جزء منها     
بدأ الرجل أولا بالكهرباء حيث كانت هذه المدن ( مروي وكريمة)   قبل قيام سد مروي  وما جاورها من قرى تضاء بواسطة المولدات الحرارية الضخمة التي كانت ترابط في كريمة ، وتصل منها الكهرباء إلى معظم المناطق الواقعة تحت إدارة محافظة مروي؛ وكما هو معروف فإن  كهربة المولدات في أغلب الأحيان تكون غير مستقرة أو متذبذبة بسبب سوء الإدارة أو الأعطال أو عدم توفر الديزيل وغيره.
وعندما أتى هذا الرجل وجد المدينة  تسبح في ظلام دامس؛  إلا قليل من المولدات في المستشفى، وكذلك المحافظة على ما أذكر، فأمر الرجل بتعطيل كل المولدات داخل المدينة، وكان قوله كما روي عنه ( أما أن تصل الكهرباء الى الكل أو تتعطل عن الكل) واتجه هو ورجاله إلى المحطة الرئسية للكهرباء واتجهت كل أنظار المدينة إلى المولدات الرئسية، وبعد هذا المجهود تم إصلاح المولدات ؛ وأذكر إن الكهرباء لم تقطع بعد ذلك لمدة سنتين متواليتين .
توجهت أنظار الرجل بعد ذلك إلى نظافة المدينة، فكنت تراه يرافق حملة النظافة بنفسه ويتحرك من ظل الى ظل، خلف ترلات وتركترات النظافة، وكان أهالي المدينة والقرى المجاورة لها يحاولون اكرامه  والذبح له فيحلف أن لا ياكل إلا الأكل العادي خشية زيادة التكاليف عليهم ( وكانت هي القراصة والويكة)
حدث يوماً شيئاً غريباً عندما كان الرجل يرقد طريح الفراش مصاباً بالملاريا في مستشفى مروي الكبير ، وكان هذا في حد ذاتة شيئا غربياً إذ كان أسلافه ومن جاء بعده اذا شاكت أحدهم شوكة يجري إلى الخرطوم. كان الرجل طريح ، وهنالك عدد كبير من المرضي بنفس المرض وعدد كبير من الزوار، وكان المستشفى جديد البناء والطوب والحجارة وبقايا البنيان منتشرة في كل مكان، فخرج الرجل من العنبر وهو يرتجف من الملاريا وأمر أحدهم أن ينادي الزوار الذين كانوا يتجمعون في جماعات مؤازرة لمرضاهم ، فنادى ذلك الشخص قائلاً لهم إن محافظ المدينة يريدكم أن تتجتمعوا عنده ، فلما اجتمع الناس  ربط الرجل جلبابه إلى نصفه ووضع فيه بقايا الطوب والحجارة وقال للناس نريد أن نجمع بقايا الطوب والحجارة إلى إحدى الجوانب فما كانت إلا لحظات حتي نظفت المستشفى من جميع بقايا وأنقاض البنيان مع استغراب الناس من تواضع وفطنة المحافظ.
قصة أخرى  كنت أنا شهداً عليها إذ كان لدينا بعض الأنشطة الطلابية في الفترة الصيفية ، ونحن طلاب في الجامعة ؛ وكانت ليس لدينا أي موارد مالية لتسير هذه البرامج ، فاقترح إليَّ أحدهم أن أذهب إلى الرجل ( المحافظ) فقلت كيف استطيع أن أصل إليه ، وهل هذا العمل الطلابي مبرر مقنع لأخذ بعض الأموال من محافظ المدينة بأكمها فقال  لي ذلك الشخص تمهل، إن هذا الرجل يهتم بكل صغيرة وكبيرة في هذه المدينة، كما إنه يستقبل أي شخص كبر أم صغر ويمكن أن تذهب إليه في مكتبه أو بيته حتى. ومع استغرابي قلت لنفسي فلأجرِّب هذا ، وذهبت إليه يوم الجمعة صباحاً في بيته، فلم أجد معه غير شخص واحد كان يخدمه، فرحب بي ذلك الشخص وقال إن المحافظ سوف يأتي إليك بعد قليل، وكانت المفاجأة عندما أتى المحافظ وقال لي بعد أن سلم عليَّ أنت ابن فلان ، باسم أبي فقلت له كيف عرفت ذلك ؟بالرغم من إنك ليس من قبيلتنا ، ولا من أهل الشمالية حتى؟ قال فقط عرفتك بالشبه.
 ثم  منظراً آخر مثيراً للدهشة والاستغراب عندما رأيت الرجل ياكل فطوره ، وقد وضع على مائدة تشبه منضدة المكواة (عالية وضيقة من إحدى الجوانب) وكان عبارة عن عدد من قطع اللحم الصغيرة  جداً لا تتعدى العشرة وصحن آخر به كمية قليلة من العدس ( وهو الذي يملك كل شيء في تلك المحافظة) وهذا لم يمنعه من أن يعزمني فقلت له إنني ابن مزارعين وأكلك هذا لا يعمل لي أي شيء ( أريد إنه لا يكفيني). وبعد ذلك  عرضت عليه طلبي بدعم مشاريع الطلاب فوافق مباشرة ، وأمرني أن آتي إلى المكتب في أي وقت ، وأكتب ما أريده من مال وتقديم ذلك الى مدير المكتب ؛ وكانت خمسة وعشرين (25) جنيهاً ، فصدقها لي مباشرة ، ثم وعدني بأنه سوف يزور المعرض والأنشطة الطلابية المصاحبة.
ومن القصص التي تروي عن الرجل بأنه قال لسائقه بأنه  إذا حدث لأي شخص في المحافظة وعكة مرضية ،ولم يجد ما يسعفه إلى الخرطوم ، كانت في هذه الحالة تعليماته واضحة إلى السائق بأن يقوم بتوصل ذلك المريض إلى الخرطوم حتى من دون علمه ،وكان يقول إن هذه العربة هي من أموال الشعب وهي أولى بخدمته مني، أما أنا يمكن أن اذهب برجلي أو كارو أوغيره( العربة كانت لاندكروزر صالون وهي أحدث العربات،  بل العربة الوحيدة من ذلك النوع في ذلك المكان في تلك الفترة)
لقد زار السيد النائب الأول في تلك الفترة الزبير محمد صالح المحافظة في وجود هذا الرجل فما كان للجماهير المستقبلة للزبير إلا أن تهتف ( ود البله يحفظ ...) ( ود البله يحفظ ....) فقال الزبير معلقاً على ذلك ( قولوا يا ..... أنا وود البله شن طعمنا
كما سجل التاريخ لهذا الرجل مواقف عديدة  ومشرفة مع جماهير وأهالي المحافظة خصوصاً في وقت الشدة، عند حدوث الفيضنات في فترة التسعيات والتي كانت تهدد أغلب القرى المجاورة لمدينة مروي ( نوري، تنقاسي- القرير) فوقف مع الناس ووفر لهم الدعم المادي والمعنوي، وكانت بعض الرويات  تقول إن الرجل كان يأتي الساعة الواحدة (1) صباحاً من جهة البحر مستقلاً مركب صغير ( بووت) وذلك لتفقد الجسور ومعرفة صبر الناس ووقوفقهم في وجه الفيضان. كما إن للرجل حضوراً دئماً في كل المناسبات سواء كانت أفراح أو اتراح.
 جامعة بحرى