مقالات:مصر .. أخت بلادي الشقيقة

سألني أحد الأصدقاء عن الشيء الذي يمكن أن يجنيه الرئيس البشير من زيارته للقاهرة في مثل هذه الظروف، وما هو الشئ الذي تمتلكه مصر ويمكن أن تقدمه للسودان في ظل هذه الأزمة، فقلت له أولاً هذا السؤال ليس في مكانه لعدة أسباب، أولها أن الرئيس السوداني ليس متسولاً يطلب العون من الدول، وأن كل الزيارات التي قام بها لم تكن بقصد الدعم بقدر ما كانت للرأي والمشورة، والتفاكر في القضايا المشتركة، وضربت له مثالاً بزيارة الرئيس البشير للعاصمة السورية دمشق، فهي كانت زيارة لتأكيد موقف كانت أمتنا العربية في أمس الحاجة إليه، وهي الزيارة التي ستكون البوابة التي تعود منها سوريا الى حضن أمتها العربية، ثم أن العلاقة بين السودان ومصر ليست مثل أية علاقة بين أي دولتين أخريين في المنطقة أو خارجها، أما العلاقة بين الرئيس البشير وشقيقه السيسي فهي علاقة إخاء صادق، ويكفي ما أشار إليه الرئيس السيسي في كلمته من لقاءات ثنائية مع الرئيس البشير بلغت ثمانية لقاءات خلال عام واحد فقط، وهذا هو اللقاء السابع والعشرون للرئيسين منذ أن تولى الرئيس السيسي الحكم في مصر، وموقف مصر من السودان واستقراره ثابت لا يتغير، ويكفي موقف مصر من السيد الصادق المهدي، فعلى الرغم من تقدير مصر واحترامها للسيد الصادق المهدي، لكنها لم تخف موقفها من مناصرة القوى والحركات التي تحارب حكومة السودان، وابلغت الحكومة المصرية موقفها هذا للسيد المهدي، وقالت له بعبارات واضحة أنها ضد أي تجمع يشتمل على قوى مسلحة، فلما ذهب السيد الصادق الى باريس والتقى بالحركات المقاتلة، لم تجامله مصر، ولم تسمح له بدخول مصر، ومعلوم أن الإعلام المصري وحده الذي لم يتعامل مع الأحداث في السودان مثل إعلام دول أخرى سعت لأن تجعل من احتجاجات السودان فرصة لتلحق بها الخرطوم ركب دول ما يسمى الربيع العربي. وتقدير مصر والمصريين للسودان والسودانيين أصيل ومتجذر، فمصر أكثر دولة في العالم يعيش فيها السوداني مواطناً أصيلاً، ونحن على ذلك من الشاهدين، ومعلومة بعض الجهات في مصر التي يعتبر فيها السودانيين أكثر أصالة من المصريين، مثل حي عابدين، والجبل الأصفر وبعض مناطق عين شمس، وكما هو معلوم أن في انتخابات 1952م البرلمانية فاز السوداني علي البربر بدائرة عابدين، ويكفي دليلاً على تقدير الرئيس السيسي للرئيس البشير الإستقبال الرفيع لسيادته، فلقد كان الرئيس السيسي على رأس مستقبلي الرئيس البشير في سلم الطائرة، ولم يفارقه إلى أن ودعه عند سلم الطائرة، وهناك مرات أخرى كان الزمن فيها أوسع، كانت الحميمية أعلى، مثل الزيارة التي شهد فيها الرئيس البشير احتفال الأسرة المصرية، ولم يستقبلوه كواحد من الأسرة فقط، وإنما استقبلوه كبيراً وزعيما.ً
وخطاب الرئيس السيسي عقب لقائه شقيقه الرئيس البشير، يتحدث عن نفسه، وننقل في هذا المقام بعض مقاطع منه، حتى يعلم الناس أصل الحكاية.
اسمحوا لي في البداية أن أرحب بأخي العزيز فخامة الرئيس عُمر البشير والوفد المرافق له في بلدهم الثاني مصر، وأن أعرب عن سعادتي بهذه الزيارة التي تعكس عمق العلاقات والروابط التاريخية المشتركة بين شعبي وادي النيل......
تأتي هذه الزيارة تتويجًا للعديد من الجهود التي بذلت على مدار العام الماضي، لتعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المتواصل بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك تحقيقًا لمصالح الشعبين، وتأسيسًا على القواسم العديدة والمصالح المترابطة التي طالما جمعت بينهما في مسار ومصير واحد على مدار التاريخ. وقد تكللت هذه الجهود بعقد اللجنة الرئاسية المصرية السودانية بالخرطوم في أكتوبر الماضي، والتي شهدت التوقيع على اثنتي عشرة اتفاقية، وساهمت في تقييم مسارات تنفيذ الاتفاقيات القائمة بين البلدين، ودعم آليات اللجان المتخصصة التي تشرف على أوجه التعاون بينهما في مختلف المجالات......
لقد تناولنا خلال المباحثات العديد من الموضوعات، وفي مقدمتها تعزيز التعاون الثنائي، خاصة في المجالات الاقتصادية، واستعرضنا التقدم الذي تشهده المشروعات المشتركة بين البلدين، كمشروع الربط الكهربائي، والدراسات الخاصة بمشروع الربط بين السكك الحديدية في الدولتين، فضلًا عن التعاون القائم في مجال بناء القدرات والتدريب في جميع القطاعات.......
كما تطرقت مباحثاتنا للتطورات ذات الصلة بالمفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، حيث اتفقنا على أهمية مواصلة العمل على التوصل في أقرب وقت إلى اتفاق حول ملء وتشغيل السد....
وتناولنا أيضًا التطورات الأخيرة في القرن الأفريقي، وسبل دعم تنفيذ اتفاق السلام في جنوب السودان، والذي تم توقيعه برعاية مقدرة من السودان الشقيق. وكذلك للجهود السودانية لحل الأزمة في جمهورية أفريقيا الوسطي، ولسبل تعزيز التعاون بين الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر
إن لقائي بأخي فخامة الرئيس عمر البشير اليوم يعد اللقاء الثامن الذي يجمعني به منذ يناير 2018، كما شهد العام الماضي العديد من الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين من البلدين، الأمر الذي يؤكد التوجه الذي بات ثابتًا وواضحًا في سياسة الدولتين الشقيقتين، وهو التنسيق الكامل بينهما والسعي المستمر والدؤوب لدعم المصالح المشتركة بين الشعبين والدولتين في كل المجالات، وبما يتناسب مع الروابط التاريخية والمصالح المشتركة بينهما، والتي يندر أن تتكرر بين بلدين على مستوى العالم، فالتاريخ يؤكد أن ما يربط بين مصر والسودان من علاقات ووشائج ووحدة في المسار والمصير هو رباط أزلي لا انفصام فيه.