مقالات:البشير في القاهرة.. كيف باتت الخرطوم؟
ظللت سحابة نهار الأمس أجاهد نفسي وسط ضغوطات العمل لأتحسس ما بين سطور زيارة الرئيس البشير للقاهرة متجاوزاً على سبيل المنطق كل العناوين البارزة التي يخرجها المراقبون.. وفق الهوى هنا وهناك.. فمن غير المعقول أن نركن لفرضية أن الزيارة تأتي في الإطار الطبيعي لبحث ملفات سد النهضة ودور السودان في سلام أفريقيا الوسطى ورئاسة مصر لدورة الإتحاد الأفريقي.. فتلك ملفات باردة غطت عليها السحب الكثيفة لتحديات الداخل السوداني ولا يعقل أن يكون الرئيس قد تجاوزها ومضى لفسطاط المعز لدين الله لما هو أقل منها أهمية..
إذن السؤال الذي يتبادر لذهن أي متابع هو لماذا هذه الزيارة في هذا التوقيت وبهذا الإعلان المفاجئ؟ ولنمضي في الإجابة هناك طريقان لا ثالث لهما حالياً.. الأول هو طريق التحليل المستند لتشبيك الخيوط مع بعضها وهو أوعر الطريقين والثاني هو تحديد بعض المعلومات غير المؤكدة التي زعم من أمدني بها أنها صحيحة وهو الراجح عندي.. أما التشبيك فيقود كذلك لفرضيتين تقومان على الهوى وترجيح الأماني.. إذ ربما يعتقد البعض أن الرئيس البشير سافر للقاهرة في هذه الظروف بحثاً عن مخرج لأزمة خروج الشارع المسبب بالضنك المسيس بالاجندة..
ويرى آخرون أنه ذهب (كيتا«) في الذين يعتقدون أن النظام يترنح تحت وطأة الضغوط.. ولكن دعونا ننطلق لقراءة الهوامش والمعطيات منذ الزيارة التاريخية للرئيس البشير للعاصمة السورية التي تسببت في كسر العزلة الدولية والعربية على نظام الرئيس الأسد وما تبعها من فتح لسفارات دول المحور الخليجي في دمشق والتحركات الروسية.. بين يدي انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة إمضاءً لتوجيهات ترامب في الإنكفاء الأمريكي على الداخل.. ثم الانتقال المباغت للدوحة عشية الإعلان عن تقارب بين الأمير محمد بن سلمان وأمير قطر.. إذ لا يمكنك إغفال هذا الخيط وأنت تتابع إطارات الطائرة الرئاسية ترتفع عن مدرج مطار الخرطوم لتتجه شمالاً..
في تقديري أن التكامل في المواقف وحده هو الذي يتحكم في جريان النيل بين المقرن والعاشر من أكتوبر لوضع حد للأزمة العربية العربية التي تطاولت بين محوري الخليج وسوريا واليمن.. وعلى الرغم من تحديات الداخل السوداني إلا أن الخرطوم هي العاصمة الأكثر تأهيلاً للقيام بذلك عطفاً على موقفها المتوازن الذي أتاح لها حرية الحركة.. وما زيارة القاهرة إلا الحلقة قبل الأخيرة في هذا المسلسل ..
غداً أحدثكم..