˝واحسب ان ماتم من شغب واعتداءات سافرة علي دور مؤسسات عامة علي راسها ديوان الزكاة، قد وجد استهجاناً عنيفاً من قطاع عريض لابناء برام اينما وجدوا، علي خلفية ان الفوضى والهمجية والاعتداء علي حقوق الغير لم يكن سلوكاً مالوفاً لدى إنسان المنطقة المعروف عنه عشقه الفطري للقانون والاحتكام اليه، وما تلكم الطرفة الخاصة بشراء الحمار الميت الا تاكيدا علي مدي احترام هؤلاء ( الكلاكة) للقانون بإعتباره الوسيلة الحضارية التي تنظم سلوك الفرد في المجتمع..
˝ولكن يبدو أن هناك مؤثرات قوية افضت الى هذا الانفجار الشعبي العنيف، الذي خرج عن المالوف كونه جاء في قالب سطو وإعتداء منظم مع سبق الاصرار والترصد على ديوان الزكاة بالتحديد.. هذه المحطة تلزمنا أن نقف عندها طويلاً وطويلاً جداً، مع الاخذ في الاعتبار ضغوط الحياة بسبب جحيم الفقر واتساع رقعته وسط تلك المجتمعات الريفية...
˝ من حق اهل برام أن يعبروا عن تأييدهم لثورة التغيير التي عمت كل ربوع السودان. وفي ذات الإتجاه لهم الحرية أسوة بغيرهم في نصب صيوانات التاييد والمطالب بما يروق لهم تماهيا مع بشريات حرية، سلام، وعدالة، والثورة خيار الشعب،. واحسب ان كثيرين طفقوا في نظم اشعار الرثاء للعهد البائد علي خلفية مرارات شخصية وضغائن وربما مكايدات بلغت منحنى الفجور في الخصومة بين مكونات الاسرة الواحدة، والى غير ذلك من سلوكيات الفعل وردة الفعل في عالم البشرية المختلف الامزجة والطباع...
˝ولكن من غير المقبول أن تبلغ الضغائن مرحلة تخريب دور المؤسسات العامة ونهب ممتلكاتها في وضح النهار وتحت بصر الاجهزة الرسمية من شرطة وجيش لم تبذل كثير عناء في الحيلولة دون ماحدث من إعتداءات اتخذت طابع السرقة وشكل الانتقام الممنهج.. ولكن يحمد للاخ/جعفر الغالي (وكيل ناظر الهبانية) ماقام به من محاولات لوقف زحف المخربين من اقتحام ديوان الزكاة، وبهكذا موقف يكون قد كتب للقبيلة براءتها من جريمة الاعتداء الهمجي...
˝ من واقع تفكيك ملامح مشهد الإنفجار الشعبي حول دور تلك المؤسسات التي تم نهبها وسلبها بان الغالبية المطلقة من جمهور المعتدين كانت من النساء والاطفال، مما يعطي الانطباع بان دوافع إرتكاب الجريمة ربما تكون لاسباب الحاجة والفقر والعوز، ومعلوم بالضرورة ان الفقر يولد اخلاق الانتقام كما اشار الي ذلك الفيلسوف المصري انيس منصور في كتابه الفلسفي التحليلي الممتع بعنوان (اخلاق الفقر)..
˝وفي هذه الجزئية تقر الإحصائيات بأن اكثر من 80% من سكان منطقة برام يعيشون تحت خط الفقر حسب المعايير الدولية. وبالتالي يجب الإنتباه الى هذه الجزئية ومعالجتها من خلال سياسات اقتصادية رشيدة تحقق نظرية التنمية المتوازنة في السودان..
˝ومن جهة لابد من دراسات ومسوحات لشريحة حزام النازحين حول مدن برام وقريضة والسنطة والردوم، والعمل علي معالجة الاشكالات التي تواجههم ويعانون منها..وحتي الاسر المستقرة داخل تلك المدن تبدو في أمس الحاجة الي سياسات مالية واقتصادية ومصرفية تنعش التمويل الأصغر ودعم الأسر المنتجة لخفض معدلات الفقر.
˝ ومالم تتحرك الدولة بكل مؤسساتها تجاه ابتكار حلول تحتوي الآثار الجانبية للنزوح العشوائي حول المدن، في ظل إهمال تام لقطاعات الميزة النسبية ( الزراعة والرعي) في منطقة برام الكبري التي تفتقر تماما الي اي مشروع تنموي مع ضعف مخجل لقطاع البنية التحتية..في وجود تلك الملامح البائسة لواقع منطقة برام الكبري تبدو الامور مرشحة لمزيد من الانفجارات علي خلفية حقيقة ان الجوع كافر وان للصبر حدود وان الاحوال السياسية قد تغيرت وتبدلت الى الاحسن بتوفير هامش للتعبير وتنفيس حالات الاحتقان وهنا تكمن الخطورة والخوف من ظهور موجات أخرى من رفض الواقع ولكن بطرق مختلفة ربما تهدد الكثير من ثوابت التاريخ التي تتحدث باسراف عن سلمية الكلكة ووداعة إنسانها...
˝ماتم كان قرع لجرس الإنذار، والمطلوب حراك جماعي وإصطفاف لكل مكونات الدولة والمجتمع لإنقاذ إنسان المنطقة من غول الفقر والفتن التي تخرج من رحم ذلك الفقر المستوطن.!!
˝ مع تحيات جماجم النمل