الأحد، 21 يوليو 2019

مقالات:• السودان زمان والان:الطعام الباقي


موائد الطعـــــام: هناك أنواع متعددة للطعام ، وبالتالي هناك فوائد عديدة ، ونحن في برية هذا العالم نجوع ونعطش ، وليس هناك حل على وجه الدنيا لمشكلة الجوع والعطش ، والحل يأتي من السماء وفي الأبدية حيث لا جوع ولاعطش ، لأنه بعد القيامة العامة نجد الحل الكافي والوافي لمشكلة الجوع والعطش ، وفي القيامة حلول لمشاكل كثيرة منها مشكلة المكان ومشكلة التعب ، ومشكلة التعصب والتفرقة الجنسية والعرقية ، وفي السماء الماء غير الماء، والطعام غير الطعام ، وطوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت السموات (لوقا 14:14) ، وهذا لا يعني أن في ملكوت السموات خبزاً مثل خبزنا ، ولكن يعني أن تكون لنا حياة نصيباً في الملكوت ، وعلى هذا مشكلة الجوع في دنيانا هنا ليس الجوع إلى الخبز إنما إلى كلمة الله ، تأتي أيام يجوع فيها الناس ليس إلى الخبز ولكن إلى المائدة الدسمة التي قال عنها داؤد هيأت لي مائدة تجاه مضايقي ، وفي السماء لا يجوعون ولا يعطشون ولا يضربهم حر ولا شمس ، لأن الذي يرحمهم يهديهم وإلى ينابيع  لمياه يوردهم (أشعياء 10:49) . وعن خبز الأرض ، ليس بالخبز وحده يحيى الانسان،
مائدة المسيح: لقد قدم لنا السيد المسيح مائدة أشبعت آلاف مؤلفة ، كان قوامها خمس خبزات وسمكتين ، ومرة أخرى قدم مائدة قوامها سبع خبزات وسمك صغير ، ولكنه في هذا لم يكن يقصد إشباع الجموع من خبز الدنيا ، ولكن كان يوجههم إلى خبز الحياة الأبدية ، وفي بعض الآحاد تطل علينا معجزة الخمس خبزات ، ولكن يوحنا البشير عنده كلام آخر عن مغزى المعجزة ، هذا يقدم لنا فى آحاد أخرى ، ففى شهر أمشير ومع حركة الهواء المتسارعة ، تتحرك فينا التوجهات نحو الخبز الحقيقى ، ونحو الطعام الباقى للحياة الأبدية ، ويأتى الأحد الأول من أمشير من يوحنا 6 :22 -27 وفيه عتاب قاسى للبشر المشغولين بأنفسهم ، المهمومين ببطونهم حيث قال لهم الحق الحق أقول لكم أنتم تطلبوننى ليس لأنكم رأيتم آيات بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم ، ويختم كلامه بدعوة إلى العمل لأجل الطعام الباقى قائلا: أعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية يوحنا 27:6  .
أما الأحد الثانى من شهر أمشير فهو من يوحنا 6:  5-14 ، وفيه ذكر لترتيب المعجزة أو طقس المعجزة ، لأن كلمة طقس تعنى الترتيب أو النظام ، وعند يوحنا إتجاه لاهوتى فى كل ما كتب ، فهو يقدم لنا فيلبس رجل الحسابات الذى بعد ضرب وجمع وطرح قال إنه لا يكفيهم خبز بمئتى دينار ، وأندراوس الذى وجه الأنظار إن كل هؤلاء الناس ليس لديهم سوى ما عند الغلام خمسة أرغفة شعير وخبزتان ، ولكنه يشعر بضخامة حجم الاحتياج فقال مستدركاً ولكن ما هذا لمثل هؤلاء (يوحنا 9:6) ، ولدى السيد المسيح حسابات غير حسابات اندراوس ، ولديه أيضاً وجهة نظر في الإمكانيات الصغيرة التى لدى الغلام الصغير ، وفي آخر الحديث عن المعجزة يقدم تعليقا لاهوتيا فيه: فلما رأى الناس الآية التى صنعها يسوع قالوا ان هذا هو بالحقيقة النبى الآتى إلى العالم (يوحنا 14:6) ، وهنا إشارة واضحة ومحددة نحو نبوة موسى النبى عن النبُى الذى هو المسيح الممجد ، نبيا مثلى يقيم لك الرب ، أو بالتحديد: يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتى مثلى له تسمعون (تثنية 15:18) .
وفى الأحد الثالث من شهر أمشير يستمر تركيز الكنيسة فى الاعلانات اللاهوتية ، ومن يوحنا 6 :27-46 ،  ويوجه الناس إلى الطعام الإلهى فى عمل أعمال الله ، والاتجاه نحو الخبز الحقيقى النازل من السماء ويعلن عن نفسه: من يقبل إلىّ فلا يجوع ، ومن يؤمن بى فلا يعطش أبداً .
الطعــام الباقــى: لقد تعبنا العمر كله ، ونحن نعمل من أجل الطعام البائد ، ولكننا لم نمسك شيئا ، فشلنا أن نقتنع بالعالم ، وفشل العالم كله أن يقنعنا ، لقد كان الحل لفشل التلاميذ الذى يشبه فشلنا هو إدخلوا إلى العمق ، وإذا دخلنا إلى العمق سوف نتعرف على الطعام الباقى للحياة الأبدية.
إن التفكير فى الماديات يجعلنا ننسى الروحيات ، والتفكير فى بطوننا يبتلع أشواقنا الأبدية ، إن الجوع المادى يشبعه أى شـىء مادى ، والجوع الروحى لا تشبعه أموال الدنيا إنه فقط فى الله الذى يشبع أشواقنا الخالدة ، نحن ونحو الطعام البائد تعبنا لغير شبع ، وهنا يأتينا سؤال أشعياء: لماذا تزنون فضة لغير خبز ، وتعبكم لغير شبع؟! استمعوا لى استماعا ، وكلوا الطيب ، ووتتلذذ بالدسم أنفسكم (أشعياء 2:55) ، ويأتينا أيضا قول الشاعر: 
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها
فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
ونردد معا دعوات الشاعر المؤمن:
إجعل الهم قلبى واحة
يستقى منها القريب والنزيل
ماؤها الايمان أما غرسها
فالرجاء والحب والصبر الطويل
جوها الإخلاص أما شمسها
فالتقى والصدق والحلم الجميل
صراحــة يســـوع: بصراحة واجه يسوع كل الجموع ، لقد تبعوه ليس لتشبع أرواحهم إنما لتشبع بطونهم ، قال لهم أنتم تطلبوننى ليس لأنكم رأيتم آيات ، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم ، ليست هناك مواجهة صريحة مثل هذه المواجهة ، نحن نركز طلباتنا إلى الله فى الماديات فقط ، بينما هو فى عظة الجبل واجه رغباتنا هذه ووجهنا نحو العصافير ، وزنابق الحقل وقال لنا: لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ، ولا لأجسادكم بما تلبسون ، أليست الحياة افضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس ، أنظروا إلى طيور السماء ، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن ، وأبوكم السماوى يقوتها ، ألستم أنتم بالحرى أفضل منها؟! ولماذا تهتمون باللباس ، تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل ،  ولكن أقول لكم أنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها (متى 6 :25 -29) . 
نحن نحتاج إلى أن نكون صرحاء مع أنفسنا ، يمر بنا الوقت ونحن نهتم بأن نشبع جوعنا ، ونعود فنجوع ، وهكذا تمر بنا الأيام نجوع ونشبع ، ونشبع ونجوع ، كل هذا اقتصار إلى الماديات ، بينما تطويبة السيد المسيح» طوبى للجياع والعطاش إلى البر فإنهم يشبعون (متى 6:5) .
نحن مازلنا نحيا في هذه الدوامة التى تأخذنا إليها ، وتلف بنا الدنيا حتى نفتر ، وتضعف قوانا ، ونخمد أشواقنا نحو الملكوت ، وننسى أننا مخلوقون على صورة الله ومثاله ، وأننا ينبغى أن نعمل بطعام الباقى وليس للطعام البائد ، نحتاج إلى أن نجوع إلى التقوى ونعطش إلى القداسة حتى يشبعنا الله ويطوبنا .
لقد حاول الانسان ممثلا فى السامرية أن يحول عمل الله إلى تجارة حتى يستريح من تعبه ، قالت السامرية: ياسيد أعطنى هذا الماء ، لكي لا أعطش ولا آتى إلى هنا لأستقى (يوحنا 15:4) ، وقالت الجموع بعد معجزة البركة: يا سيد أعطنا في كل حين هذا الخبز(يوحنا 34:6) ، إنهم حتى لم يفهموا أن يسوع أمامهم وأنه الخبز الحى النازل من السماء ، خبز الحياة الذى سيروى عطشنا ، ويشبع جوعنا ، ويملأ باطننا بأنهار ماء حى تنبع إلى حياة أبدية ، إن يسوع هنا يواجهنا ، ويطلب منا أن نغير اتجاهاتنا ، ونعمل من أجل الطعام الباقى للحياة الأبدية ، لأن هذا هو الذي يحمل ختم الآب ، ويدخلنا إلى الملكوت ،