
ما كنت أتمنى أن تلجأ قوى إعلان الحرية والتغيير إلي سلاح الإضراب عن العمل والعصيان المدني، فهو سلاح ذو حدين، فإذا ما نجح بنسبة كبيرة غالبا ما يجد الطرف الثاني نفسه في حاجة إلي مزيد من التواضع، وقد يقبل بما كان يرفضه من قبل، أما إذا كانت نسبة نجاحه غير كبيرة، ولم يشل الحياة في البلد مثلما حدث يوم أمس، فهو قطعا سيزيد الحاكم منعة وقوة، وقد يصعب التفاهم معه بعد ذلك، وفي حالة بلدنا السودان وفي ظل ثورة التاسع عشر من ديسمبر المجيدة، فإن طرفا المسألة السياسية، المجلس العسكري وقوى الإعلان يعتبران جسدا واحدا، فكان من الطبيعي إذا اشتكي أحدهما من علة تداعي له الآخر بالسهر والحمي، وهذا ما لم يحدث، وأتمنى ألا يزيد ما حدث يوم أمس التباعد بين الطرفين، فالحكومة تأكدت أن سلاح العصيان لن يهز منها شعرة، وفي ذات الوقت فإن قوى الإعلان إعتبرت نتيجة الأمس نصرا كبيرا، ولعله عندهم مثل (درون العباسية) ويحكي أن فريق العباسية الأمدرماني الشهير كان يلاعب فريقا أخر، وكان أحد مشجعي الفريق لم يذهب إلي دار الرياضة، فوقف في الشارع جوار مسجد (مرفعين الفقراء) ينتظر مجئ أحد من الدار يسأله عن النتيجة، فكان أول الحاضرين واحد (مبسوط) فسأله عن النتيجة فرد عليه (درون 4/1) ومثل هذا الواقع يقود إلى مواقف قد تقود إلي هلاك.
وفضلا عن القراءات المتباينة للأحداث، كل ينظر من زاويته، فلم يعد هناك خيار آمن، وأول هذه الخيارات التي لم تعد آمنة، الاتفاق المعلق بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، فحتى إذا ما قبلت قوي الإعلان بمطلب المجلس العسكري، ومنحته الغلبة والرئاسة في المجلس السيادي، فإن بقية هذا الاتفاق لم تعد مقبولة لدى القوى الأخرى، وسوف تعمل علي مناهضة الحكومة التي تنتج عن هذا الإتفاق، هذا فضلا عن ما ظهر من تباين واختلافات داخل قوي الإعلان، وهذا بداأفي المواقف المتمايزة لمكونات أساسية وفاعلة داخل قوى الاعلان، وهذه القوى لها زعامات من العيار الثقيل يستطيع الواحد منها أن يحدث فرقا ظاهرا، مثل الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، والسيد ياسر عرمان الأمين العام لقطاع الشمال. وقد أثبتت الأيام الماضية أن القوى السياسية والمجتمعية خارج تشكيل قوى إعلان الحرية والتغيير، قوة لا يستهان بها، ولها من الشعارات والبرامج التي تستطيع بها حشد جماهيرها، وواضح أنها أكثر عدة وعتادا، ولذلك يجب أن تبحث القوى السودانية وفي مقدمتها المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير عن طريق ثالث للتراضي على الفترة الإنتقالية. ودائما ًما أحمل المجلس العسكري وقوى الإعلان أكثر من غيرهما، لأنهما في مقام أم الولد بالنسبة للثورة، فالعسكريون كانت بيدهم كلمة السر التي حسمت المعركة لصالح الثورة والشعب، وقوي الإعلان هي التي أحرزت (فون العشية) وقديما قيل (فون العشية أفضل من مية) فعلي المجلس مراجعة الاتفاق بما يضمن له القبول عند الآخرين، فيجب إعادة النظر في كل ما أتفق عليه من قضايا المرحلة الإنتقالية، فالسنوات الثلاث كثيرة جدا، وأعتقد عامين كافيين لإنجاز كل مطلوبات الفترة الإنتقالية، ومع الإبقاء علي مستويات الحكم الثلاث لا بد من إعادة النظر في تقسيم الحصص، فبالنسبة لمجلس الوزراء يظل التكنوقراط والكفاءات هم وحدهم الذين يتشكل منهم مجلس الوزراء، ولكن اقترح عدم قصر الترشيح علي قوى الإعلان وحدها، فيمكن أن ترشح قوي الإعلان اثنين لكل وزارة، وترشح القوي الأخري واحدا، ويختار المجلس العسكري واحدا ًمن الثلاثة لكل وزارة، وكذا الشأن بالنسبة لرئاسة مجلس الوزراء، وبالنسبة للمجلس التشريعي تكون نسبة ال 67% شراكة بين قوى الإعلان والمجلس العسكري، وتظل ال 33% من نصيب القوى السياسية الأخرى، أما بالنسبة للمجلس السيادي فيجب أن نتفق علي أن تكون الغلبة والرئاسة للمجلس العسكري، وكما هو معلوم فإن المجلس السيادي لا يمارس الحكم، وإنما يرعاه ويحفظه، ويحفظ أمن البلاد والعباد، فلو تراضت القوى السياسية علي مثل هذا الإتفاق، أو قريبا منه يحقق أهدافه، يمكن أن نعبر هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلدنا بسلام وأمان، ونضمن استقرار واستمرار الحكم خلال المرحلة الإنتقالية بإذن الله تعالي.