المرحلة الثانية التي شارك فيها الاتحاد بفاعلية في دعم المبادرات الوطنية، كانت علي عهد الأخوين البروفيسور ابراهيم أحمد غندور، والمهندس يوسف علي عبد الكريم، ولقد شارك في عقد أكثر من منشط لوحدة الصف بالتعاون مع الاتحاد ضد رغبة الحكومة، وكانت الندوة الأشهر تلك التي نظمناها عن الحوار الوطني والسلام بعد المفاصلة بين المؤتمرين الوطني والشعبي، وعقب عودة السيد الصادق المهدي مباشرة في (تفلحون) وشارك في تلك الندوة السيد الصادق المهدي، والدكتور حسن الترابي، والأستاذ سيد أحمد الحسين الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي، والدكتور مجذوب الخليفة ممثلاً لحزب المؤتمر الوطني، وكنت قد قدمت الندوة وأدرتها، وافتتحها البروفيسور ابراهيم غندور رئيس الاتحاد، ونقلتها قناة الجزيرة على الهواء مباشرة، وكان ذلك على عهد اسلام صالح، فسعى أهل الأمن لوقف الندوة فتصدى لهم بروف غندور، ثم حاولوا وقف البث، فرفض اسلام أن يستجيب لهم، فارسلوا ورقة إلى غندور في المنصة يطلبون منهم طرد اسلام وكاميرته، فرفض غندور طلبهم، واستمر البث ساعتين كاملتين على الهواء، وبسبب هذه الندوة، أغلقت أجهزة الأمن مكتب الجزيرة بالسودان، وضيقت على مدير المكتب اسلام صالح فهاجر من البلاد.
تلك نماذج محدودة جداً من الأعمال الوطنية الجليلة التي كان يقوم بها الاتحاد العام لنقابات عمال السودان، وذكرت فقط التي كنت طرفاً فيها، ولم اذكر منها غير ملامحها العامة، واتحاد العام يتمتع بعضوية لا مثيل لها، لا في العدد ولا في الانضباط، والولاء، وحسن الأداء، ويقدم الاتحاد خدمات إجتماعية لا تقف عند حدود عضويته، وأقرب شاهد على ذلك (طرد الصائم) الذي يستفيد منه الملايين، واستطاع الاتحاد أن يؤسس مؤسسات تفوقت على نفسها، في مقدمتها بنك العمال، الذي يصدق عليه الوصف، (خصوصية الاسم شمولية العمل) واستطاع هذا البنك أن يجذب إليه خيرة الكوادر المصرفية، وفيه خدمات متفردة، يحتاج وصفها إلى كتاب كامل، ويمتلك الاتحاد علاقات إقليمية ودولية واسعة، ويحتل كثيرون من أعضائه مواقع مرموقة في منظمات ومؤسسات نقابية، إقليمية ودولية.
وآخر ما أقول في حق هذا الكيان العملاق، أني لم ألحظ طوال هذه الفترة التي كنت فيها قريباً من الاتحاد ومن مناشطه، وانشطته، لم ألحظ يوماً عليه، ولا على أحد من قادته ميولاً حزبية، أو سياسية، ولم أرهم يهتمون بشيء غير قضايا عضويتهم، ولقد دخلوا في معارك حادة مع الحكومة من أجل حقوق العمال، ولعل الناس يذكرون تلك المعركة بين رئيس الاتحاد السابق بروف غندور، وبين وزير المالية الأسبق الدكتور علي محمود عبد الرسول، فاتحاد العمال بهذا التكوين، وهذه القيادات الوطنية المتميزة، كيان وطني قومي، يجب المحافظة عليه، ورعايته، وإسناده.