الأربعاء، 1 مايو 2019

مقالات:تأملات:اتحاد العمال.. شهادة غير مجروحة


تعود صلتي بالاتحاد العام لنقابات عمال السودان إلي نحو أربعة عقود من الزمان مضت، منذ عهد مايو في بداية ثمانيات القرن الماضي، على أيام قناوي  وجماع، وابوشامة، وارتبطت بصلات مع رموز وقيادات الحركة النقابية، الحاج عبد الرحمن، وموسى متي، وعباس الخضر، ومحمد السيد سلام، وعبدالرحمن قسم السيد، وغيرهم، وتعمقت صلتي مع الاتحاد في فترة الديمقراطية الثالثة، حيث كنت أنتج صحيفة الاتحاد الأسبوعية (صوت العمال) مع الأخ المرحوم علي ابوزيد علي، وكان يشرف عليها الأخ عبد اللطيف الأحمر، أمين الإعلام في ذاك العهد، وكان الأخ فرح، والأخ أم هانئ الأكثر التصاقاً بنا، فرح كان يتابع كل مراحل صناعة الصحيفة، وخصوصاً بعد دخولها المطبعة، أما أم هاني فكانت تشارك في الجمع، وتكتب عموداً  في الصفحة الأخيرة. وأشهد أن الاتحاد العام لنقابات عمال السودان ظل علي الدوام اتحاداً مهنياً ، ويهتم في المقام الأول بقضايا عضويته المنتشرة في كل مدن وربوع السودان، مع اهتمام واسع بقضايا الوطن، دون تحزب أو تخندق، وكنت قريباً جدًا من أدوار وطنية عظيمة قام بها الاتحاد في عهد الإنقاذ المنصرم. فبعد انطلاق مبادرة الشريف زين العابدين الهندي في العام 1996م، نظمت أول ندوة مفتوحة، وحاشدة من كل أطياف السودان السياسية وغير السياسية في قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم، عبر صحيفة أخباراليوم، استضفنا فيها الدكتور محمد الأمين خليفة وكان وقتها رئيساً  للمجلس الأعلى للسلام، وهدفنا من الندوة تكوين جسم شعبي يرعي المبادرة، وبالفعل خرجت من تلك الندوة الهيئة الشعبية للحوار الوطني والسلام، برئاسة البروفيسور حسين عثمان أبوصالح، والدكتور عبد الله سليمان العوض أميناً عاماً ، وتم اختياري منسقاً عاماً، وضمت في عضويتها مجموعة من المهتمين بالحوار والسلام، منهم المرحوم عزالدين السيد ، رئيس اتحاد أصحاب العمل في ذاك الزمان، وتاج السر عبدون رئيس اتحاد العمال، والأستاذ عثمان عمر الشريف المحامي، المرحوم العميد شرطة حسن عوض أحمد المحامي، والدكتور عصام أحمد البشير، والدكتور مالك حسين، والقمص فيلوثاوس فرج، والشيخ علي أحمد سليمان، و الشهيد مكي علي بلايل، وأمين بناني نيو، ومجموعة من الزملاء الصحفيين والكتاب، محجوب عروة، والشهيد محمد طه محمد أحمد، والشهيد محمد أحمد طه، ونور الدين مدني، وعادل سيد احمد، وغيرهم، وعقدنا أول اجتماع للهيئة في مجلس السلام، فقرر الأعضاء الابتعاد عن مباني الحكومة، ففتح لنا اتحاد أصحاب العمل داره، وكانت وقتها في شارع المطار جوار منزل الشيخ مصطفى الأمين، فرأي الأخوة أن هذا المكان بعيد، فاقترح الأخ السر عبدون أن يكون دارهم، دار اتحاد العمال مقراً للهيئة فوافق الجميع، لموقع الدار الوسط، في تقاطع شارع الجمهورية مع شارع المك نمر، فوجدنا اهتماماً وراحة وحسن استقبال أكثر مما كنا نتوقع، والأهم من ذلك كله الحماية والرعاية، وكان جهاز الأمن وقتها غير راض عن المبادرة، ولكن الاتحاد تصدى لهم، ولم يستجب لطلبهم طرد الهيئة من داره، وصار كثيرون من أعضاء الاتحاد شركاء فاعلين في الهيئة بجانب الرئيس، وكان الأكثر مشاركة منهم، الأخوة هاشم أحمد البشير، وحسن محمد علي، وعبد اللطيف الأحمر.
المرحلة الثانية التي شارك فيها الاتحاد بفاعلية في دعم المبادرات الوطنية، كانت علي عهد الأخوين البروفيسور ابراهيم أحمد غندور، والمهندس يوسف علي عبد الكريم، ولقد شارك في عقد أكثر من منشط لوحدة الصف بالتعاون مع الاتحاد ضد رغبة الحكومة، وكانت الندوة الأشهر تلك التي نظمناها عن الحوار الوطني والسلام بعد المفاصلة بين المؤتمرين الوطني والشعبي، وعقب عودة السيد الصادق المهدي مباشرة في (تفلحون) وشارك في تلك الندوة السيد الصادق المهدي، والدكتور حسن الترابي، والأستاذ سيد أحمد الحسين الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي، والدكتور مجذوب الخليفة ممثلاً  لحزب المؤتمر الوطني، وكنت قد قدمت الندوة وأدرتها، وافتتحها البروفيسور ابراهيم غندور رئيس الاتحاد، ونقلتها قناة الجزيرة على الهواء مباشرة، وكان ذلك على عهد اسلام صالح، فسعى أهل الأمن لوقف الندوة فتصدى لهم بروف غندور، ثم حاولوا وقف البث، فرفض اسلام أن يستجيب لهم، فارسلوا ورقة إلى غندور في المنصة يطلبون منهم طرد اسلام وكاميرته، فرفض غندور طلبهم، واستمر البث ساعتين كاملتين على الهواء، وبسبب هذه الندوة، أغلقت أجهزة الأمن مكتب الجزيرة بالسودان، وضيقت على مدير المكتب اسلام صالح فهاجر من البلاد.
تلك نماذج محدودة جداً من الأعمال الوطنية الجليلة التي كان يقوم بها الاتحاد العام لنقابات عمال السودان، وذكرت فقط التي كنت طرفاً  فيها، ولم اذكر منها غير ملامحها العامة، واتحاد العام يتمتع بعضوية لا مثيل لها، لا في العدد ولا في الانضباط، والولاء، وحسن الأداء، ويقدم الاتحاد خدمات إجتماعية لا تقف عند حدود عضويته، وأقرب شاهد على ذلك (طرد الصائم) الذي يستفيد منه الملايين، واستطاع الاتحاد أن يؤسس مؤسسات تفوقت على نفسها، في مقدمتها بنك العمال، الذي يصدق عليه الوصف، (خصوصية الاسم شمولية العمل) واستطاع هذا البنك أن يجذب إليه خيرة الكوادر المصرفية، وفيه خدمات متفردة، يحتاج وصفها إلى كتاب كامل، ويمتلك الاتحاد علاقات إقليمية ودولية واسعة، ويحتل كثيرون من أعضائه مواقع مرموقة في منظمات ومؤسسات نقابية، إقليمية ودولية. 
وآخر ما أقول في حق هذا الكيان العملاق، أني لم ألحظ طوال هذه الفترة التي كنت فيها قريباً  من الاتحاد ومن مناشطه، وانشطته، لم ألحظ يوماً عليه، ولا على أحد من قادته ميولاً حزبية، أو سياسية، ولم أرهم يهتمون بشيء غير قضايا عضويتهم، ولقد دخلوا في معارك حادة مع الحكومة من أجل حقوق العمال، ولعل الناس يذكرون تلك المعركة بين رئيس الاتحاد السابق بروف غندور، وبين وزير المالية الأسبق الدكتور علي محمود عبد الرسول، فاتحاد العمال بهذا التكوين، وهذه القيادات الوطنية المتميزة، كيان وطني قومي، يجب المحافظة عليه، ورعايته، وإسناده.