الاثنين، 8 أبريل 2019

مقالات:• السودان زمان والان:أحد الوحيد المخلَّع


الأحــد الخامـس: نحن الآن فى الأحد الخامس من الصوم الكبير ، لم يبقى لنا أحد عادى ، الأحد القادم هو أحد التناصير، يليه أحد السعف ، يليه أحد القيامة ، وبركات يوم الأحد بركات كثيرة ، إن كل يوم أحد هو عيد ، إنه عيد قيامة الفادى ، لقد سمى هذا الأحد بأنه الوحيد لأنه الوحيد بين الآحاد ـ ولأنه يقدم لنا قصة الوحيد المعذب ، الذى ظل ثمان وثلاثون عاما بعيدا عن الشفاء يسكن على شاطىء بركة الشفاء منذ بدء المرض ، وتمر به الأيام ولا يتحقق فيه الشفاء ، صار وحيداً منعزلا منفردا ، صار فى وحدة وهو يمثل عالم اليوم ، الأطفال فينا بنسبة كبيرة يعانون من مرض التوحد ، ينعزلون عن رفاقهم ، لا يعيشون طفولتهم وحركتهم وبرائتهم ، والكبار فينا يعانون العزلة الاجتماعية قد يسكن الانسان فى مدينة كبيرة تعج بحركة الناس ووسائل المواصلات ، ولكنه يعيش بمفرده ، داخل مسكنه دون تعامل مع الجيران الذين هم أقرب إلى الانسان من كل ذوى القربى ، وكثيرا ما نسمع الآن أن رجلا أو إمرأة ، يموت داخل شقته ولا يعلم به أحد لمدة طويلة ، ولولا ما عليه من فواتير مستحقه لما عرف أحد بموته ، قالت مرثا عن أخيها لعازر ، لقد أنتن لأن له أربعة أيام ، فما بال من يموت فى العزلة الاجتماعية ، ولا يكتشف موته إلا بعد أيام أو بضع شهور؟!!
 إن وحيد الأحد الوحيد يمثل إنسان اليوم ، المتوحد المنعزل ، المعزول ، يقول يوحنا 5: 1-18) أنه كان عيد اليهود ، فصعد يسوع إلى اورشليم ، وفى العيد كانت أورشليم تستقبل مالا يقل عن مليونين من السواح اليهود ، كلهم يأتون إلى هيكل سليمان يقدمون ذبائحهم ، وهم اليهود الذين عاشوا فى كل بلاد العالم ، هذا عدا عن سكان المكان ، وفى الهيكل نفسه كانت قصة الرجل الوحيد ، عند باب الضأن ، بركة بيت حسدا ،كانت تسمى مرسل وكانت لمسة الرحمة عند اليهود فى أجيالهم ، خلال أربعة قرون من بعد ملاخى ، إختفت ظهورات الملائكة ، ونبوات الأنبياء ، وبقيت بركة مرسل هى فقط دليل الرحمة ، ولكن الرحمة كانت بشروط ، فالملاك يأتى أحيانا فقط !! ولا يشفى سوى من ينزل أولا ، والباقى ينتظر ، ولقد إنتظر مريضنا حتى ثمان وثلاثون عاماً ، وجاء يسوع المرسل من الله ، ووقف أمام البركة بركة مرسل ، لكى يفتح باب الرحمة ، كما بركة سلوام التى إغتسل فيها الأعمى فصار بصيرا (يوحنا 7:9) .
الإنســان: إن الوحيد الذى خلَّعه المرض إنسان ، والمولود أعمى إنسان ، والعشار إنسان ، والخاطىء إنسان ، وقد جاء إبن الإنسان لأجل الإنسان ، رد له كرامته ، حقق له الحياة  والحياة الأفضل ، كان كلام الوحيد المخلع للسيد المسيح: ليس لى إنسان حتى متى تحرك الماء يلقينى فى البركة ، ونحن نسأل أين هو الانسان؟ أين هو الإنسان فى اليهودية؟ ألم يكن حائرا لا وجود له؟ ألم يكن عبدا لطقوس دون فهم؟ ألم يكن غائبا فى فهم الفريسيين فاهمى الشريعة الموسوية؟! ألم يعترض هؤلاء وغيرهم على صنع الشفاء فى السبت بينما خلق السبت لراحة الانسان ، ولم يخلق الانسان لعبودية حرفية السبت؟!
     أين الإنسان الذى يساعد أخيه الإنسان؟ ثمان وثلاثون عاما لم تحظى بلحظة لقاء مع إنسان آخر يقف معه؟ أين الأهل؟ أين الأقارب؟ أين الأصدقاء ؟ كلهم اصيبوا بأزمة ملل وخيبة أمل؟! ألم يكن هذا رمزا لحاجة الإنسان لإبن الإنسان؟! ألم يكن رمزا لحوجة العالم إلى إبن الانسان؟ يسوع الذى بسط الرحمة ، وجعل كل إنسان يتحنن على أخيه الانسان؟ لأن يسوع نفسه إنسان قد جرّب الأحزان ، وملأ قلوب الناس بالرحمة ، وجعل ملكوت السموات بابا مفتوحا مشروعا أمام من يعمل رحمة ، ويعطى خبزاً للجائع ، وماءاً للعطشان؟ وكسوة للفقير ، واستضافة للاجىء ، وزيارة للمريض ، وتعاطفا مع المحبوس ، وكلمة حلوه معزية لكل متألم (متى 25).
     أين الإنسان؟ لم يلقى الإنسان نفسه فى اليهودية الحرفية ، ولكن هل لقيها الآن هل وجدها فى عصر التكنولوجيا؟ لقد تحول الانسان الآن إلى رقم من الأرقام!! إلى كسر عشرى! إلى انسان فقد وجودة أمام الآله التى تشاركه مكانته ، وتعمل بدلا منه فى البيت ، وفى قيادة السيارات والقطارات والطائرات ، وكل هذه بدون سائق؟ هذا عدا المعدات التى تبرمج لخدمة المنزل أو تأدية واجبات العمل؟! 
     إن فم الذهب يندهش عندما يستعفى الانسان  عن واجبه نحو أخيه الانسان ، ويتساءل إذا قلت أنه ليس عملى خدمة أخى الانسان إنما هى مسئولية آخر وليست مسئوليتى ، يقول له إن وجدت يمتلىء ذهبا هل نقول لماذا لا يأخذ فلانا هذا الوعاء؟ ألا تبادر وتأخذه لنفسك؟! إنك مسئول عن أخيك الإنسان ، عن مساعدته ، عن توبته ورجوعه ، لأن من رد خاطئا عن طريق ضلاله يخلص نفسا من الموت (يوحنا الأولى 20:5).
إلى الإنسان: وإلى الإنسان نقول: لا تنسى أيها الانسان أنك إنسان ، وعندما ينسى الإنسان أنه إنسان يفقد أغلى ما يملك وهو الإنسانية ، إذا أراد الانسان أن يجد نفسه سوف يجدها فى أخيه الانسان ، وإذا أراد أن يجد الله فإنه يجده فى أخيه الانسان ، لأن راحتنا فى الله ، ولأننا إن لم نحب الأخ الذى نراه كيف نحب الله؟ إذا ذكر الانسان نفسه فقط يكون فى غباء الغنى الغبى ، الذى عمل حساب نفسه فقط، واخذت نفسه هذا ومات ، ولا يدرى أحد ما أعده لمن يكون ، إننا أحيانا نكتفى بأنفسنا وننسى إخوتنا؟ إننا نعطل عمل الله بأن نيتنا؟ .. إن الملاجىء ودور الإيواء كلها أوجدتها المسيحية انطلاقا من تعاليم المسيح ومن مثل السامرى الصالح ، وكثير من مشاهير العالم أنهوا حياتهم بأيديهم لأنهم عاشوا لأنفسهم ، ونسوا أخوانهم فى الانسانية.
إرادة الشفاء: ســـأل السيد المسيح مريض بركة بيت حسدا سؤالا محيرا ، أتريد أن تبرأ؟! ومن من الناس لا يريد أن يبرأ ، إن الإرادة عامل هام جداً فى الشفاء ، ولن نشفى من خطايانا إن لم تكن لنا الإرادة أن نشفى ، ونعالج أنفسنا ، ونسمع مشورة آباء اعترافنا ، وذلك لأنه كثيرا ما يحب المريض المرض ، ويحب الخاطىء الخطية ، ويتلذذ الإنسان بانحرافاته ، ويحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم شريرة .
     إن المرأة السامرية أرادت أن تحيا مع الله ، والابن الأصغر رجع إلى نفسه وعاد إلى حضن الآب ، بينما الإبن الأكبر وقف معانداً بالباب ولم يرد أن يدخل ، إن الصوم الكبير هو صوم تقديس الإرادة، وتحريك الارادة نحو التوبة ، نحو الصوم الطاهر الذى فيه تصفو قلوبنا ، ومهما قال القلب إننى أحب الله ، وقال الفكر إننى مقتنع بالحياة مع الله ، لكن لا بد من كلمة الإرادة ، وأن يكون قرار إرادتنا هو القرار ، وقرار توبتنا بإرادتنا ،