![]() |
|
تحولت جلسة الجبنة لاحتفائية رائعة أظهرت العديد من مواهب الرقص الخفية لنساء قرية ناوا وفن العرضة للرجال في الحوش الخلفي، وقد أطربهم غناء النساء الذي تعالى على نغم الدلوكة الذي أبدعت فيه حليمة مستعينة بالحلة الضخمة المنكفئة على الارض ودب النشاط في كل الموجودين وبدأ العمل الجاد للتجهيز وإعداد ما يلزم للسماية والتي كانت تفصلهم عنها بضع سويعات.
عند المدخل كان عم المولود (جعفر ) وزوج فاطمة وعدد من شباب الحي قد قاموا بتكتيف الثور الضخم وفي سرعة مباغتة ذبحة (ود علي سالم )المشهور بالقوة والجسارة ودائماً يقوم بهذا الدور في كل المناسبات في القرية، وشمرت السواعد لسلخه وتكسيره وتقطيعه فكان في دقائق معدودة بين يدي النسوة اللاتي كن قد قطعن البصل وحمرنه منذ ليلة البارحة وحضرن الخضار بمختلف أنواعه من محاشي وسلطات. ..الخ
بينما جلست أم الخير إحدى نساء العائلة على بنبر واطي تكاد تظنها لأول وهلة جالسة على الأرض وقربها كومة ضخمة من الجرجير الأخضر المقطوف المفرهد ، والذي تم غسله وردمه فوق شوالين من الخيش النظيف وعليه كمية من ورق الجرائد لامتصاص الماء الزائد، وكانت بين الحين والآخر تأخذ بعض من صفق الجرجير الأخضر القاني الخضرة وتحشره دفعة واحدة في فمها وتتحدث أثناء ذلك موجهة بقية النسوة لعمل اللازم بإعتبارها أكبرهن سناً وخبرة وكن يمتثلن لأوامرها دون جدل.
وأثناء ذلك سمع الجميع صوت جلبة شديدة مصدرها الباب الرئيسي للمنزل وكان عم المولود الأصغر (ساتي) حضر من الخرطوم، وقد جر خلفه عدداً من الخراف ورغم توجيه الرجال له بأن اللحم ك كثير وكافي إلا أنه لم يأبه لهم وكبر وذبح الخراف أمام الباب قبل دخول المنزل، بينما كانت زوجته رحاب وهي الشقيقة الصغرى لفاطمة تزغرد بصوت حاد ردد صداه جنبات المكان بينما بادلنها النسوة الزغاريد ، وكل منهن تهز بما تحمل من مفاريك وكمش ومفارم وسكاكين وغيره من أدوات الطباخة.
أبلج الصبح بمحياه الباسم وعبقه الذي ينعش الروح المتعبة وقد تم إعداد وليمة سماية عبد الرحمن إعداد متقن يحوي كل أصناف الطعام والشراب الذي تشتهيه الأنفس وبكميات تكفي قرية ناوا والقرى المجاورة. .. وعندما قاربت التاسعة صباحاً كان هناك ما يقارب الثلاثمائة صينية ضخمة تملأ ساحات المكان الرحيب في مشهد مهيب يعكس كرم وسخاوة أهل ناوا ، والقرى المجاورة. .. وعندما قاربت الساعة التاسعة صباحاً كان هناك ما يقارب الثلاثمائة صينية ضخمة تملأ ساحات المكان الرحيب في مشهد مهيب يعكس كرم وسخاوة أهل ناوا، وقام الشباب بتوزيع الأدوار بينهم لملئ الصواني بمختلف الأطباق لأشهى أنواع الأطعمة المختلفة، فكان عمر مسؤولا عن وضع الكسرة بقدر في كل صينية بعد سلمتها له( ست النفر ) مطبقة في جردل ضخم فكان يمر أمام كل صف من الصواني ويضع المعلوم فيها وبنهاية آخر صينية يكون قد قام بدوره على أكمل وجه، بينما كان محمد علي يضع صحون السلطة التي أعدتها آمنة بمهارة وسرعة تحسد عليها، وهكذا تقسمت الأدوار، حسن الكمونية وشمت الضلع وعامر الرغيف المنزلي الذي أعدته النساء قبل صلاة الفجر وهكذا ، وخلال دقائق تم توزيع الصواني على الجمع الغفير شيباً وشباباً وأطفالا.
كان يوم لا يمحي من الذاكرة ظل يذكره الكبار والصغار لسنوات طويلة. .. أكل الكل وشبع حتى الكلاب والقطط وصلت الحد الذي أصبحت فيه تنظر إلى اللحم دون أن يحرك فيها ساكناً.
وكانت نجاح اخته لا تبارح غرفة أمها تغير لأخيها حفاضه وتلبي نداء أمها كل ثانية وتجلب لها الطعام والشراب، وتعطر الغرفة بعود الصندل وتقدم الكعك والحلوى والتمر والشاي والقهوة للضيوف وهي في قمة الفرح والسعادة بمقدم أخيها والذي طالما تمنته وانتظرته طويلا، وكم كانت تتمناه عندما كانت طفلة ذات أعوام ثلاثة، فكانت تلعب وحيدة ويعايرها أبناء عماتها وخالاتها وصديقاتها بأنها وحيدة لا أخ لها مثلهن فكثيراً ما كانت تبكي وتطلب من أمها أن تلد لها أخاً وعلى وجه السرعة فكانت أمها تسرح طويلا وتقول لها (يابنيتي لا مرد لما أراد اللـه، الولادة قسمة وأنا رضيت بقسمتي بكرة انتي تكبري وتبقي عروسة وأشيل بناتك وأولادك بحول اللـه..
كانت الصبية تبكي وتهرول بعيداً عن أمها فقد كانت لصغر سنها لا تعي كلام أمها عن القسمة، وظنت انها رفضت أن تلبي طلبها، وكثيراً ما كانت ترقد تحت العنقريب وتظل هناك إلى أن تضطر أمها إلى إخراجها نائمة ومتعرقة ومع مرور السنوات كبرت نجاح وفهمت ما كانت تعنيه أمها واقتنعت وقنعت إلى أن كانت المفاجأة لها ولأبيها وأهلها جميعاً بأن تحمل أمها جنيناً في أحشائها بعد سبعة عشر عاماً من الإنتظار.
وهكذا كانت سماية عبد الرحمن في مثل عظمة وروعة ميلاده وكان يوماً لا ينسى علق بذاكرة الصغير قبل الكبير وأصبح تاريخاً يؤرخ به لبعض الأحداث الكبيرة التي حدثت في تلك القرية (الاتر ) فكان يقال إن ذلك حدث يوم سماية عبد الرحمن او ذلك وقع بعد سمايته بشهر أو شهرين وهكذا نشأ عبد الرحمن ومنذ نعومة أظافره محباً لوالديه ومحبوباً وسط أهله وكان طيب القلب طاهر السريرة حلو المعشر حتى بلغ عامه الثالث بقرية الاتر بمدينة ناوا ، حيث يوجد أول مسجد بنى في أفريقيا وبناه عبد اللـه ابن أبي السرح وذلك بعد أن فتح عمر ابن العاص مصر سنة ستمائة و واحد وأربعين ميلادية، و وقع المسلمون على اتفاقية البقط مع مماليك شمال السودان. وسمي المسجد بأثر النبي صلّ اللـه عليه وسلم.
