الأحد، 14 أبريل 2019

تقارير:بعد ثلاثين عاماً عجاف أنتصرت إرادة الشعب وانداح الفرح المباح


تدفقت الجماهير كالسيل العرمرم وروت الدموع الأرض بعد دماء الشهداء.. 
• تقرير : عبدالباقي جبارة
• رصد وتصوير: الطاهر ابراهيم 
لمثل هذا اليوم عمل الشعب السوداني للتخلص من كابوس أقلق مضاجعه وهزم طموحاته وقتل آماله أستذله حكامه وجعلوه يعيش في وطنه صاغرا مطأطأً رأسه في عبودية مستحدثة ثلاثة عقود أثقلت صدور السودانيين بالهم والغم ولم ترتسم الفرحة إلا عابرة أو مجاملة سعى السوداني كثيرا للتعايش مع جلاديه صفق لهم كثيرا وأحتشد لهم مرغما وردد أوهامهم شعارات جوفاء حتى ظن المستعبدين الجدد بأن الدنيا دانت لهم و بها ضمنوا الجنان العلا وكانت بهم غشاوة الطغيان جعلتهم الآمر الناهي على سنة (أنا ربكم الأعلى) وما دروا بأن لكل ظالم نهاية ونسوا (لودامت لغيرك لما آلت إليك) ثلاثون عاما تمدد فيها الظلم و لحق بكل شرائح المجتمع لم  تكن سبع عجاف بل ثلاثون عاما حسوما تيتم فيها الأطفال وترملت النساء وهلك فيها الزرع وجف فيها الضرع إلا أن رحمة الله واسعة ،لا توجد أسرة سودانية إلا وطالتها يد الظلم بطشا وقتلا وتشريدا وحرمانا من الحقوق الأساسية إلا قلة من الثلة الحاكمة أستأثرت بالسلطة والثروة وأنتهجت الصلف والغرور وأصبحت تسخر من دعوة التغيير وكأنها أخذت من الله عهدا دائماً في كرسي السلطة الزائل ونست قوله تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )
في هذه الحقبة التي يعيش الشعب السوداني نهايتها هذه الأيام تركت جروحا عميقة أولها الأرواح التي أزهقت أفرادا وجماعات على يد سلطان جائر من أجل التشبث بكرسي السلطة فكان كل مواطن شريف موقن بأن
 ( إذا الشعب  يوماً أراد الحياة، فلا بد ان يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر) خلال الثلاثين عاما لم يكن هذا الشعب السوداني البطل مستكينا بل قدم كثير من التضحيات سواء في المناطق التي أشعل فيها الطاغية الحروب أو ثورات المدن والأرياف والتي أخمدت بقوة السلاح والتعتيم الإعلامي والقهر والتجبر فكان القتل جماعيا مثل شهداء 28 رمضان وشهداء البحر الأحمر والنيل الأبيض وكجبار بجانب الجرائم الكبرى مثل الإبادة الجماعية حرقا وسحلاً في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان والمأساة الكبرى حرب الجنوب التي بلغت ذروتها في عهد الإنقاذ وأزهقت فيها أرواح الآلاف من أبناء الشمال والجنوب وبعد كل ذلك ذهبت ثلث مساحة أرض المليون ميل وثلث شعب الكرم والجود والسماحة وما عادت أغاني الراحل أحمد المصطفى (على أبن جنوب ضميت ضلوعي ) تحرك مشاعر غير أنها تجعلها تتمزق في دواخل هذا الشعب الذي يتدفق وجدًا وحنية غير أن هذه الثلة المتأسلمة كرست جهدها من أجل إنجاز كبير كفتق النسيج الإجتماعي ثم أضحت تتباكى على رتقه وعندما توقف فنان الوحدة الوطنية النور الجيلاني من ترديد (يا مسافر جوبا وسوق روحك روحا ) سدت العبرة حلقه ولم يعدد يردد ألحان ومعان دون واقع وبسبب كل ذلك كانت ثورة سبتمر والتي قدم فيها الشعب السوداني أكثر من مائتين شهيداً وظن الطاغي أنها أخمدت بسبب آلة القتل التي ظل يوجهها لصدور الشرفاء من دون رحمة نعم إنها الحرب بين شريف وغادر لا يعرف الرحمة فكان الفر تكتيكاً، وأما الكر موعده ذكرى الإستقلال المجيد في التاسع عشر من ديسمبر 2018م فكان إندلاع الثورة التي ظنها الطغاة فجائية عابرة ولم يدر أنها ثورة أحرار ظلت مكبوتة في الصدور فحان إنفجارها ولكن الإرادة الشعبية هذه المرة أكثر وتروي وحكمة وحنكة وإقتدار وإستغلال ثغرات نظام تهالك وردت له خناجره المسمومة الى صدره فكانت خير معين للثوار ومسيرة الثورة لم يكن طريقها مفروش بالرود كما يتخيل البعض بل محفوف بالمخاطر ولكن تصدى للمهمة شباب متدثرين بثوب العزيمة والإصرار والشكيمة التي لا تلين وقطعوا على أنفسهم عهداً لن يخلفوه ولم تنتكس رأيتهم إلا على أجسادهم مسجية أمام هؤلاء المتجبرين وفعلا واجهت صدورهم وابل الرصاص مكشوفة و أزكمت أنوفهم السموم التي يطلقها الموهومين من الحاكمين بالعنف ليهزموا الثورة ولكن أنتصرت إرادة الشعب في مواقيت محددة بدقة تملك الثقة الكبيرة في نيل المراد وأختير لذلك تاريخ مقدس عاش فيه الشعب السوداني فرحة طاغية بإزاحة دكتاتور سابق ألا وهو السادس من أبريل الذي أزاح فيه الشعب السوداني حكم الرئيس جعفر محمد نميري له الرحمة في العام 1985م ليكرر التاريخ نفسه في السادس من ابريل 2019م سجل فيه الشعب السوداني صفحة جديدة من تاريخه المليء بالبطولات وشهد لها العالم بأنها لحظة تاريخية لم يدركها أي شعب آخر غير السودانيين فكانت الفرحة متداخلة فرحة عامة أثلجت صدور الشعب السوداني فرحة مؤجلة لدى أسر الشهداء حتى  ينال  ذوي الشهداء القصاص العادل من المجرمين وفرحة حذرة حتى لا تسرق هذه الثورة التي رويت بدماء غزيرة وعزيزة .
مشاهد مؤثرة 
تدفقت الجموع من كل فج عميق داخل السودان وخارجه من السودانيين في المهاجر نساءا ورجاءا شيوخا وشبابا وشابات وأطفالا يحملون علم هذا البلد الطيب في فرح هستيري باذخ وأنهمرت الدموع والعناق الحار بين أفراد الشعب السوداني دون سابق معرفة ، المهم  هوما تراه أمامك هو سوداني منتصر مثلك على الطغاة الشاب أحمد الطاهر قال ل (الوطن) عندما سمع بيان إزاحة البشير صرخ صرخة داوية ولم يتمالك مشاعره ونسي سيارته وأنطلق يجري في الطرقات دون تحديد وجه معينة، الشاب محمد ودالعكد لم يتخلف كثيرا عن أحمد وقال أنه كان متواجداً في ميدان الإعتصام لحظة إذاعة البيان وأنه لم يتمالك أعصابه ولم يستطع التحكم في دموعه ، نشوى وريان من حي الصحافة أنطلقن حافيات الأقدام ووجدن أنفسهن وسط الأمواج البشرية، الأستاذ ياسر الطاهر قال أن أكثر ما هزه هو مشهد الأطفال وأنه تذكر  ذوي الشهداء الذين فقدوا خلال الإحتجاجات وقال هذا النصر يهديه إليهم أولاً، وقال أنه يتمنى أن يعانق كل السودانيين، مشهد رهيب هذا وجدان كل من شاهده حينما عانق شاب من دولة الجنوب التي فصلت عن الدولة الأُم بسبب هذا النظام البائد عانق أحد زملائه في الجامعة الذي ألتقاه في ميدان الإعتصام بالقيادة العامة وكان عناقا حارا مصحوباً بصيحات البكاء الحار والدموع الغزيرة حيث توجهت كل  الكاميرات لتصوير هذا المشهد الذي يعبر عن الوحدة بين الجنوب والشمال لو لا ألاعيب الساسة، من المشاهد المؤثرة أيضا الفرح الهستيري للأطفال وترديدهم الشعارات بأصوات ندية في الصدق والبراءة والتعبير الصادق ،أيضا الإعاقة لم تحرم ذوي الإحتياجات الخاصة من التعبير عن هذا الفرح الكبير حيث شوهد من يمشي على رجل واحدة وهنالك الكفيف والشيوخ وكبار السن وجدوا أنفسهم تحملهم الفرحة الى ميادين وطرقات الأفراح المنداحة دون حدود هذه الفرحة صاحبها تعبير بحمل المشروبات والحلوة والوجبات الخفيفة الى مكان الإعتصام وتوفرت كل إحتياجات المعتصمين بما فيها المكيفات وكل ذلك يقدم من أبناء الوطن في الطرقات والميادين دون إنتظار شكر على ذلك وهنالك عدد من المواطنين عبروا عن أن فرحتهم كانت بمثابة الصدمة حتى الآن بين مصدِّق ومكذِّب ذهاب نظام جثم على صدورهم لثلاثة عقود، ويبدو أن هذا الفرح سوف يستمر لوقت طويل .