الأربعاء، 3 أبريل 2019

مقالات:من رواد الإستنارة في السودان الشيخ أبوبكر اسحق (1890 -1977) « 1-5 »


السياحة في أعماق المشاهير وسير الإعلام في بلادنا لها متعة ذهنية تحرك في وجداننا غريزة الفطرة التي نبحث فيها عن ذواتنا وشخوصنا ، فرغم تباعد حقب التاريخ فقد استطاع كثير من الإعلام الصمود على منصة القيادة والريادة رغم المجايلة الزمانية والمكانية للإنجازات الباهرة التي سطرها أولئك الإعلام ومضى منهم من مضى، ولكنها ظلت مشاعل حية تنير لنا الطريق وتهدينا إلى قصد السبيل ، كنت قد تهيبت تقليب صفحات هذا العملاق ، والكتابة عن حياته والتنقيب عن سيرته ومسيرته الفخيمة فهي بؤرة ماسية وسلك كهربائي معروفة نتائج لمسه أو الإقتراب منه مكتوب على شواهد قبره بالخط الأحمر (منطقة ضغط عالي ممنوع اللمس والإقتراب )..
فأهل شرق دارفور مجموعة سكانية وسيمة الجغرافيا، وثرية التاريخ غنية بمواردها الحضارية والفكرية أنجبت أفذاذاً متفردين في العطاء والنوال.
 (فأم كدادة) حضنت في أحشائها شعوباً وقبائلاً شتى، أنتجت  هجيناً متنوعاً جعلت منها وطن في متناول القلب، فأجاها المخاض بلا طفولة وعاشت بلا شيخوخة من هذه السبخة المحروسة بجبالها والمكتظمة بعتاميرها وتبرها، خرج الشيخ أبوبكر اسحق.
ولد بقرية النيلة بالقرب من مركز الشريف كباشي الواقعة شرق مدينة (أم كدادة) والشريف هي المركز الفاصل بين حدود دارفور وكردفان؛ وهي منطقة تداخل وتعايش بين قبائل البني عمران وقبائل الحمر الكردفانية، والشريف كباشي هو الفضاء العربي لدارفور من الناحية الشرقية.
تاريخ ميلاده كان في نوفمبر من العام 1890م يقابله في التاريخ الهجري ذي القعدة 1289 هجرية ؛ وقد قوقلت هذا التاريخ فظهر لي مناخ مرتفع الحرارة ، حيث تعامدت الشمس بين خط الإستواء ومدار الجدي ، وصلت درجة الحرارة فيه ستين درجة في سواكن وتراوحت بين خمسة وأربعين وخمسين فهرنهايت في معظم بقية مدن السودان،  وبالمقابل شهد ذلك العام هطول أمطار غزيرة وصلت إلى أكثر من خمسمائة ملمتر بين الأقاليم الجنوبية؛ وتدرجت ناحية الغرب حتى استقرت في ثلاثمائة ملمتر ، علماء الجيوبلوتك يعتقدون أن المناخ وتنوعاته وأبراجه يؤثر في الحياة العامة للمواليد من حيث الخصائص الجثمانية والنفسية؛ وشيخنا هو من مواليد تلك الحقبة التي تعتبر من أعوام الرخاء والسعد.
 فقد شب وترعرع في قرية النيلة التي لها نصيب وحظوظ متوفرة من اسمها فهي بوطة تحتفظ بالماء ؛ ولذا أطلق عليها اسم نيلة من النيل.
 فالقرية محاطة بالجبال التي تنساب من أعاليها المياه فتغرق القرية في لجة من الماء الذي يظل لفترات طويلة راكداً فوق سطح الأرض فتشرب منها حيوانات القرية ، ويحفر السكان جمادة بالقرب من شاطئها لتتجمع فيها المياه النقية التي تصلح للشرب، وهذه الجمادة تعرف في الثقافة الشعبية الدارفورية باسم (التمد )، وقد ذكر أحد الرواة الشفاهين المتواترين أن هذه الجمادة استمرت تنبع وتتجمع مياها طوال العام حتى فصل الخريف ؛ ويعتقدون أن هذه من بركات ذلك الطفل الذي ولد في ذاك العام ؛ فقبل ميلاده كانت المياه تنقطع بعد أربعة أو خمسة أشهر وأصبح أهل القرية يتحدثون عن حظ هذا المولود، ونسجوا عنه أقاصيص وحكاوى أضفت إليه هالة وتقديساً ؛ وذهب بعضهم أن هذا الطفل معتوق السرة ولديه كرامات ظاهرة لا سيما وأن في ذاك العام امتلأ الضرع ودر ونبتت سنابل الدخن ، وتمددت حبال البطيخ ، وامتلأت القرية بالخيرات الوفيرة وتحولت حياتهم من بعد مسغبة وجوع إلى شبع وري، وربط بعضهم بين قدوم الطفل و ولادة معظم  حيوانات القرية بالتوائم بمقدم هذا الطفل الذي عرف والده بالتقوى وشهدوا له بالصلاح فقد كان الشيخ اسحق صواماً قواماً وزاهداً في متاع الدنيا ، ولديه خلوة مشهورة يتبتل داخلها بعد أن يهجر رجزه ويطهر ثيابه ، وينقطع عنهم أياماً وأيام لا يلتقي بأحد فيصوم عن الطعام والحديث، لا يكلم منهم انسياً. 
فقد كانت زوجته زينب بت صالح شرشار ، والدة أبوبكر كلما سألها أهل القرية عن زوجها تقول لهم الشيخ في الخلوة.
 والده الشيخ اسحق عالم القرية الوحيد فهو حافظ لكتاب الله يصلي بأهل القرية في الصلوات المفروضة، ويغادر القرية أحياناً ليؤدي صلاة الجمعة إماماً بمسجد الشريف كباشي.  
ابتهج أهل القرية بالمولود الجديد واستبشروا بقدومه، فذبحت الذبائح وابتهج الجميع ؛ وكعادة أهل دارفور يختارون الأسماء حسب الأيام فالذي ولد يوم الاثنين يسمونه محمد والذي يولد يوم الثلاثاء يسمونه أبوبكر لأنه ولد بعد الاثنين ويعتبرونه خليفة رسول الله صلّ الله عليه ، سلم تيمناً ومحبة لمقامات النبوة.
شب أبوبكر على كنف والديه تحرسه العناية الإلاهية فرغم تفشي الأوبئة والأمراض الفتاكة المهلكة للطفولة فقد حفظه الله منها جميعاً وعند بلوغه سن الخامسة بدأ والده في تلقينه القرآن وعند بلوغة سن العاشرة تمكن من حفظ القرآن وتعلم الكتابة والقراءة وأصبح والده يدارسه ويساعده حتى تعلم أحكام التجويد وأصبح ينوب عن والده في تدريس أطفال القرية وأقرانه بل أحياناً يجثوا له أكابر القرية بركبهم ليتلقوا منه صحيح القراءة والتجويد ، كان رغم صغر سنه لا يحب اللهو كما يفعل أقرانه كانت تبدو عليه امارات الرشد وإشارات الهداية والنبوغ فقد أوشك أن يكون نسخة مكررة من والده الذي عرف بالتقوى والصلاح.