الأحد، 31 مارس 2019

أيقونة الوطن:النّاسُ طِباع .. لا الطيّب يقلع عن طيبته ولا الشّرير يقلع عن شرّه


قال الهيثم بن عدي: 
٭ خرجت في سفر على ناقة، فأمسيت عند خيمة أعرابي فنزلت فقالت ربة الخباء: من أنت؟
فقلت: ضيف، قالت وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء الواسعة؟ ثم قامت إلى بر فطحنته وعجنته وخبزته، ثم قعدت تأكل فلم ألبث طويلاً حتى جاء زوجها ومعه لبن فسلّم ثم قال: من الرجل؟ قلت: ضيف، قال: أهلاً وسهلاً حياك اللـه، وملأ كوباً من لبن وسقاني ثم قال: ما أراك أكلت شيئاً..!
وما أراها أطعمتك! فقلت : لا واللـه فدخل عليها غاضباً وقال: ويلك أكلت وتركت الضيف؟
قالت: وما أصنع به أطعمه طعامي، وزاد بينهما الكلام فضربها حتى شجّها ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقته فنحرها ، فقلت ما صنعت عافاك اللـه؟ فقال واللـه لا يبيت ضيفي جائعاً
ً ثم جمع حطباً، وأجّج ناراً، وأقبل يشوي ويطعمني، ويأكل ويلقى إليها، ويقول كُلي لا أطعمك اللـه! حتى إذ أصبح تركني وذهب، فقعدت مغموماً، فلما تعالى النهار، أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر من النظر إليه، وقال: هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره، وخرجت من عنده فضمني الليل إلى خيمة أعرابي، فسلّمت فردّت صاحبة الخباء على السلام وقالت: من الرجل؟
قلت : ضيف، فقالت: مرحباً بك حيّاك اللـه وعافاك فنزلت ثم عمدتْ إلى بر فطحنته وعجنته وخبزته ثم روّت ذلك بالزبد واللبن ووضعته بين يدي، ومعه دجاجة مشوية، وقال كل وأعذر، فلم ألبث إذ أقبل أعرابي كريه المنظر، فسلم فرددتُ عليه السلام فقال: من الرجل؟ قلت : ضيف قال: وما يصنع الضيف عندنا ثم دخل إلى أهله وقال: أين طعامي؟ قالت: أطعمته للضيف فقال: أتطعمين طعامي للأضياف ؟ ثم تكالما فضربها فشجّها، فجعلت أضحك فخرج إلىّ وقال: ما يضحكك؟ فأخبرته بقصة الرجل والمرأة اللذين نزلت عندهما قبله، فأقبل علىّ وقال : إن هذه المرأة التي عندي أخت ذلك الرجل وتلك المرأة التي عنده أختي 
٭ على فكرة :
ـ يُعد الهيثم بن عدي من المؤرخين وعلماء الأدب والأنساب، ترجم له العديدون في الإعلام وأثنوا عليه بعلمه وصدقه. 
٭ وما ينبغي أن يفهم من المحاورة والقصص التي وردت في هذا المقام المتصل بقيمة الضيوف أن في بعض البيوت عجائب، قد يكون نصيب المرأة الطيبة زوجاً شريراً وقد يكون نصيب الرجل زوجة شريرة، فلا الطيّب يقلع عن طيبته، ولا الشرير يقلع عن شرّه، وتستمر الحياة..!!