إبراهيم الرشيد أحمد حامد، من مواليد بيت المال في أول يوليو 1932.درس الكتاب بمدرسة الهداية الأولية والوسطى بالأحفاد. اجتاز امتحان السكرتير الإداري بدرجة ممتاز، كما اجتاز امتحان الشهادة السودانية بدرجة جيد جداً. التحق بهيئة البريد والبرق في 1950. وتدرج في سلم الوظيفة حتى درجة وكيل وكان آخر مكتب عمل به هو بريد و برق الموردة في 1969 -1963 ثم التحق بهيئة الطيران المدني في 1970 واستمر بها حتى 1992 حيث نزل المعاش الإجباري ؛ وآخر وظيفة كان يشغلها هي باشمهندس لاسلكي طيران. . . . . بعد تخرجه في معهد الطيران المدني سافر في بعثات خارجية أوروبية وكذلك إلى جمهورية مصر العربية والعراق واليمن.
* توقفنا في الحلقة الفائتة عند اختيار الفنان ابراهيم عوض لأغنية (تحدي ) وقد تبقى اسبوعاً لاحتفالات العيد الأول لثورة عبود.
* حدثني عن البروفة التي أجريتموها؟
- أنا وصديقي ابراهيم اعتكفنا في بيتنا داخل غرفة جالوص مفروشة بالرمل وكنا نغني ونجود ، وكانت الوالدة رحمة اللـه عليها تدعمنا بالأكل والشاي ، وكانت خير معين لنا في معسكرنا المقفول لمدة اسبوع كامل ، اكتملت خلاله الأغنية وتلحينها.
فرض علي ابراهيم أن أكون معه يوم تقديم الأغنية وذلك في جامع الخليفة بأم درمان فقال لي : إذا قبلوها كتر خيرم وإذا جدعونا بالحجار تأخد نصيبك معاي.
وافقت على هذا الشرط وكنت أفهم إحساسه وكنت مديناً له بمستقبل باهر.
* صف ما حدث في اليوم المشهود في ساحة الخليفة؟
- لما شددنا الرحال لجامع الخليفة في ذلك اليوم وفي الساعة العاشرة مساءً وقفت وراء المسرح ابراهيم عرج على مكان الفرقة الموسيقية لكي يتمرن على حفظها وترديدها مع الأوركسترا (بروفة )ويحفظ اللحن مباشرة، وكان الفنان في ذلك الوقت له فرصة أغنيتين في السنة، واحدة كبيرة والثانية صغيرة ، ونحن دخلنا بأغنية تحدي كأغنية كبيرة وكان الفنان كل سنة يواكب الألحان الجديدة التي يستخدمها الفنانون العالميون، وبعد ربع ساعة قدموا ابراهيم عوض كفنان أول واللحن كان توست ومنذ أول وهلة من بداية عزف المقدمة بدأنا نسمع أرجل الحاضرين تتحرك والتراب يتصاعد لأنفعالهم ، وهم في انتظار سماع الكلام، فلما انفجر ابراهيم بالغناء هلت التباشير بالتهاني والفرح الممزوج للشاعر والملحن والفنان، فضحك ابراهيم ضحكة كبيرة في المايكرفون بعد نهاية الحفل ، و وضع يده على فمه وقال بصوت عالٍ (يا ابراهيم انتصرنا)
وكان من ضمن الحضور عدد كبير من الفنانين والشعراء والملحنين والشعراء والصحافيين وطلبوا منا صورنا للنشر في الجرائد. وداعبونا بعبارة «انتو اليوم فرحانين لكن بكرة أقروا الجرائد» ، وبالفعل علقت خمس أربع صفحات فنية لأربعة فنانين بالتعليق على الأغنية.
* وما كانت ردة فعل الصحف تجاه تحديكم؟
- كان أول تعليق في مجلة الإذاعة والتلفزيون من كلمات الشاعر الكبير عمر البنا يهاجمني فيها بقصيدة مطلعها :
اتحدنك
اتحدنك
والبنات أحسن منك
اللـه يكفينا شرك وشر جنك
وكانت معركة وكل الجرائد تحمل عناوين :
شاعر جديد لنج يتحدي المرأة
* وماذا كانت ردود أفعال الجمهور؟
- كان المؤيدون أكثر من المعارضين لأنهم شباب واستمر السجال في الصحف لمدة عامين.
خلال هذه الفترة شقينا طريقنا وكان تحدي الأغنية الخفيفة وسام شرف وأول عمل غناء لشاعر مغمور.
* بعض أسماء الجرائد التي تناولت التحدي؟
- «السودان الجديد» - لصاحبها أحمد يوسف هاشم.
«صوت السودان» تابعة للختمية.
«صوت الأمة» تابعة للأنصار وكل ذلك كان في أواخر 59 وبداية 60.
* المناسبة لكتابة التحدي؟
- نحن أتولدنا في بيت المال الأحفاد وكان حي الملازمين في ذلك الوقت يطلق عليه اسم (حي السور )لأنو كان هناك سور في مدخل أم درمان والتسمية جاية من سور بوابة عبد القيوم وكان مدخلا لمدينة أم درمان من الناحية الجنوبية ، وكان الملازمين (غابة بيت المال ) ونحن طلبة نمر عبر السور للداخل.
* علاقة أغنية تحدي بالاتحاد النسائي في ذلك الوقت؟
- الأغنية دي من حسناتها انها ساعدت في إبراز أسهم الاتحاد النسائي ، وكانت هناك مناقشات كثيرة للغاية، فيها الذي يشجع المرأة السودانية لكي تتحمل كل الوظائف، وأخيراً انتصر الجميع الذي يؤيد خروج المرأة من الوحل الضيق إلى آفاق أرحب وأعز.
* حدثنا عن الضجة التي أحدثتها الأغنية بخروجها؟
- في ذلك الوقت كان الاتحاد النسائي يريد أن يسجل وجوده ليظهر نشاط المرأة ، وأنها يمكن أن تتبوأ أرفع المقامات والوظائف ، فقد ظلمت في الفترات السابقة وبحمد اللـه وعونه فقد دعاني اللواء الركن طلعت فريد، وكان يتبوأ منصب وزير الثقافة والإعلام ولما حضرت لمكتبه فاجأني بقوله:« إيه السفاسف البتعمل فيها دي«؟
فتعجبت لهذا الهجوم المفاجئ الذي لا يؤيده منطق وسألته ببرأة : ماذا فعلت يا سعادة اللواء؟
فرد عليّ بقوله : هل تريد أن ينزوي مستواكم الفني لهذا الحضيض؟
فقلت : وما هو الأمر الذي دعوتني إليه.
فقال لي : انت تنكر انك عملت حاجة لا تشبه السودانيين؟
فقلت له : إنني لا أذكر ولكني بلغة اليوم أين الصالح والطالح في هذه القصيدة.
وبالمناسبة يا سعادة اللواء هل انت سمعتها.
فقال : أنا ما سمعتها ، ولكن سمعوني ليها. ... فقلت له: الأغنية دي انت ما سمعتها في إذاعتك ولا تلفزيونك حكمت عليها كيف؟ ذي ما انتو جيتوا؟
فسألني ماذا أقصد؟
فقلت بكل براءة إني انجرحت من هذا الكلام ومن رائد من رواد 17 نوفمبر وهي جاءت لتصحيح أخطاء وليس لتدمير آفاق.
وقلت له : أنا ممكن أقولها ليك بيت بيت ونتناقش هل هي ما بتشبه السودانيين ولكن لا تحل المعضلات بالأوامر.
فقال لي بالحرف الواحد «انت غلباوي وغير مقتنع بأخطائك»
* وماذا عن دفاعك عن نفسك؟
- رديت عليهو ( أين هي الأخطاء ياسيادة الوزير.؟
فقال لي : يعني انت الآن رافع رآية فوق معلقة بتحبيني بتحبيني إيه هي البتحبك دي أنس ولا جن؟
فأبتسمت وضحكت ضحكة كبيرة وقلت له : يا سيادة الوزير أنا أتضاءل خجلا لأنني لم أفهم ماذا تريد فهل ترشدني عن مطلبك، فأخذ وقفة لدقائق وقال لي : انت أول شئ عطلت لي شغل الحكومة، وثانياً النقاش معاك غير مفيد وأنا حأوجه التاج حمد مدير الإذاعة لإيقاف هذه الأغنية.
فرديت عليهو بابتسامة وقلت له: يا سعادة اللواء الأغنية دي غير مسجلة في الإذاعة ولكنها مسجلة في أحاسيس الشباب. فقال لي ماذا تقصد؟ فقلت : بالدارج البسيط نحن قدمنا الأغنية في احتفال نوفمبر بجامع الخليفة بأم درمان وكانت الجماهير تضج وتهتف للمولود الجديد فهذه أغلبية الشعب السوداني لأنه شعب كورة وفن.
فأنت لو عايز تصادر الأغنية صادروها من قلوب الناس والممنوع مرغوب.
فقال لي خلاص انت بقيت المتنبئ بتاعنا، فقلت له لم أصل مكان المتنبئ ولكني ربما أتمرس على العمل الكثير وأنافس المتنبئ لأن دا مجال لا ينجح فيه أي شخص وحتى المديح والأشعار من سجع ورجع، فالفن مش من الساهل، فذكر لي أنني أخذت وقتاًًً كبيراً من وقت الدولة، والمفروض يقاضيني وطلب مني أخرج من مكتبه وملامحه تضج بالفرح ويبدو أنه كان سعيداً بالحوار.
فشكرته على هذا التجاوب، وقلت ليهو الشعب السوداني كلو بيحترموا لوقفتو معي في هذا التحدي.
* والنهاية؟
- النهاية دخلت مكتبه مكتئباً وكان الهدف إيقاف الأغنية وخرجت جزلا وتمت الموافقة، وثبتت الأغنية، وفرحت لشئ آخر وهو أن الاتحاد النسائي انتصر لهذه الأغنية.
* كيف ذلك؟
- الاتحاد النسائي كان متقدماً بطلب تصديق وكانت الاعتراضات شديدة من بعض المسئولين فقد تأخر الرد عليهن، والأغنية جاءت في الوقت المناسب، وفتحت الأبواب للسهل الممتنع في وقت كان الإعتقاد الراسخ أن المرأة محلها البيت. فالقائمات بأمر تسجيل الاتحاد النسائي ممثلات في فاطمة احمد ابراهيم وسعاد الفاتح، خالدة زاهر، علوية الفاتح، طلبنا من السيدة سكينة حرم الفريق عبود توقيف الأغنية لأنها ستعطل تصديقهم للاتحاد، ولسبب آخر فهن يعرفن علاقتي بوزير الثقافة والإعلام طلعت فريد فكن يردن إغلاق كل المنافذ التي تعطل مشروعهن.
* وهل استجابت السيدة سكينة لمطلبهن؟
- كان رد السيدة سكينة (أنا ماعندي علاقة بالفن والفنانين وسأحولكم للواء طلعت فريد وزير الثقافة والإعلام )
وكان ما كان من أمري.