الثلاثاء، 19 مارس 2019

تقارير:محاكمة المفسدين.. هل تُفعِّل الدولة مبدأ (من أين لك هذا)..؟


انتقادات واسعة وجهت لمحكمة الفساد التي أنشئت نهاية العام المنصرم باستحداث وحدة خاصة بالتحريات والتحقيقات لجمع معلومات استخباراتية تعنى بمكافحة الفساد وسلامة النشاط الاقتصادي، مؤكدين على أنه وعلى الرغم من إنشاء  مفوضية لمكافحة الفساد لكن لم يسمع أو ترى أي محاكم عقدت لهؤلاء المفسدين، بالمقابل تفاءل عدد من المراقبين والمتابعين للشأن الاقتصادي  والسياسي عقب إعلان  قانون الطوارئ بمساهمته بشكل  كبير في   تفعيل دور محكمة الفساد خاصة عقب  تصريحات رئيس مجلس الوزراء د. محمد طاهر  أيلا قبل أيام بتجديد التزام الدولة بمحاربة الفساد، منوهاً إلى أن الإصلاح سيشمل الجوانب كافة أهمها إصلاح الخدمة المدنية والإصلاح المالي والمؤسسي والإداري.

أمر قبض 
وبالأمس أصدرت محكمة جرائم الفساد ومخالفات المال العام، أمر قبض في مواجهة رجل أعمال أجنبي متهم لديها. ووجهّت المحكمة بمخاطبة إدارة الجوازات والهجرة بوزارة الداخلية لحظر المتهم من السفر والقبض عليه في حالة دخوله أو خروجه من البلاد، وأشارت إلى أن ذلك جاء بعد أن تقدّم ضامنه بطلب التمس فيه من المحكمة إعادة إصدار أمر قبض في مواجهة المتهم الذي تغيب عن جلسات محاكمته دون علمه، فيما أفادت موكلته بأن المتهم غادر البلاد في مهمة رسمية تتعلق بشركته في جنوب السودان.  وأن حيثيات البلاغ الأولية تشير إلى أن السلطات المختصة أوقفت المتهم بعد الاشتباه فيه بجرائم غسل الأموال، وأنه قبض عليه في مطار الخرطوم الدولي وبحوزته40 ألف دولار.
مخالفات مالية 
وكشف تحقيق  نشر مؤخراً في وسائل إعلامية أن حجم الاعتداء على المال العام والمخالفات المالية في إحدى عشرة ولاية بلغ خمسمائة وخمسين مليون جنيه واحتلت ولاية كسلا المركز الأول بمبلغ اربعمائة مليون جنيه فيما جاءت ولاية الجزيرة في المركز الثاني بمبلغ ثلاثة وسبعين مليون جنيه وبلغت في ثلاث من ولايات دارفور  اثنين وخمسين مليون جنيه أما في ولايات جنوب وشمال كردفان وسنار فقد بلغت المخالفات المالية ستة وثلاثين مليون جنيه.. وأرجع عدد من مديري  المراجعة القومي بالولايات المخالفات المالية إلى ضعف الرقابة الداخلية بالإضافة إلى الصرف بدون مستندات علاوة على الصرف  لجهات اعتبارية وعدم تقديم مستندات للمراجعة والصرف بفواتير مبدئية.
تأسيس المحكمة
وكان رئيس القضاء السوداني حيدر أحمد دفع الله، أصدر نهاية مارس الماضي قراراً بتأسيس محكمة جنايات تختص بمكافحة الفساد ومخالفات المال العام.وحدد القرار مهام المحكمة بالنظر في الدعاوى الخاصة بقضايا الفساد واستغلال النفوذ والتعدي على المال العام وتخريب الاقتصاد الوطني، والتي تحال إليها من النيابات المتخصصة، والنظر في الدعاوى التي يحيلها إليها رئيس القضاء، وأن يكون مقرها ولاية الخرطوم، مع جواز انعقادها بأي ولاية من ولايات السودان.وأجاز القانون أن تتشكل دوائر خاصة بمحكمة الاستئناف والمحكمة القومية العليا لنظر الاستئنافات والطعون في الأحكام الصادرة من محكمة جنايات مكافحة الفساد ومخالفات المال العام، وعقب  مباشرة محكمة الفساد لعملها عقب افتتاحها أُعلنت عن إحالة 60 قضية إليها في مسعى من الحكومة لمحاربة الفساد. 
خيانة أمانة 
وقبل أشهر قليلة، كشفت مصادر برلمانية عن رفع البرلمان الحصانة الدستورية عن (13) نائباً خلال الفترة من يونيو العام 2015م وحتى فبراير من العام 2016م ،وقال المصدر إن غالبية النواب كانت قضاياهم مالية وخلافات شخصية مع مواطنين، وأوضح أن حوالي (10) من النواب الذين رفعت حصاناتهم تمت تسوية قضاياهم، مشيراً إلى أن بعض النواب رفعت حصاناتهم بخيانة الأمانة بالإستيلاء على أموال، وكشف المصدر عن رفع الحصانة عن أحد الأعضاء لإتهامه بخيانة الأمانة بالتصرف في مبالغ كبيرة بعملة الدولار تتبع لشركة من دولة أوروبية، لجهة أن العضو كان مسؤولاً في الإدارة المالية بالشركة وتحصل على مبالغ كبيرة منذ سنوات، فضلاً عن مواجهته ببلاغ آخر من الضرائب بسبب عدم دفع الضرائب الخاصة بذات الشركة ،ومع تزايد الاتهامات لبعض المسؤولين بمؤسسات الدولة بالفساد تبنى عدد من نواب البرلمان تحركاً لمعالجة القوانين بما يتلاءم مع إمكانية رفع الحصانة عن أي مسؤول أو برلماني من أجل مقاضاته، بعدما قررت رئاسة الجمهورية تشكيل مفوضية لمكافحة الفساد. 
خسائر الفساد
وكشفت منظمة الشفافية السودانية مؤخراً أن الخسائر جراء الفساد في البلاد، فاقت 18 مليار دولار سنوياً، وقد ساهم غياب الرقابة المالية وضعف القوانين الضابطة، في تفشي ظاهرة الفساد. وأعتبر رئيس المنظمة الطيب مختار أن تنامي ظاهرة الفساد، يترك أثره على الاقتصاد الوطني، كما يعد عامل طرد للمستثمرين. وقال مختار "صحيح أن السودان يخطو خطوات مهمة لمحاربة الفساد، لكنه لا يزال في مستوى ضعيف نسبياً خاصة في مجال التصنيف الدولي ومؤشرات الفساد". ويظهر مؤشر الفساد، تحسن وضع السودان نسبياً، بعد أن حاز على المركز 165 في العام 2015، حيث تقدم عن العام 2014 بعدما حل في المركز 173. وقال مختار "تمكنت المنظمة من دراسة العديد من البيانات الحكومية، والإحصاءات الرسمية، بالإضافة إلى دراسة واقع الفساد في السودان، حتى توصلت إلى هذا الرقم، والذي يعتبر كبيراً جداً".
جوانب الفساد 
وفي السياق يقول  الخبير الاقتصادي د. حسين القوني لـ(الوطن) على الرغم من إنشاء مفوضية لمكافحة الفساد  لكن لم نسمع أو نرى أي محاكم عقدت لهؤلاء المفسدين وأكد على أن الإصلاح مطلوب كأعجل مايكون حتى يبدأ في الاصلاح لكل جوانب الفساد سواء أكان  مالياً أو إدارياً أو مؤسسياً مع ضرورة فرض عقوبات صارمة لهذه القوانين لأننا أصبحنا أمة لاتحترم القوانين  فأصبح الفساد مستشرياً في كل  المجالات بحيث أوجب عقوبات رادعة، وقال القوني إن الإصلاح المالي والإداري والمؤسسي هي تصحيح للكثير  من الأشياء وتعمل  على زيادة الثقة في الحكم والأنظمة المختلفة  خاصة الخدمة المدنية، بمختلف  مسؤولياتها كما أنه يعد سمعة طيبة  للبلد وسيشكل عامل جذب للمستثمرين، وقال القوني لابد من العودة إلى شرع الله في التعامل في  جميع مناحي الحياة المختلفة الاقتصادية والاجتماعية فإذا تعافينا دينياً فسوف ينصلح حال المجتمع.
أموال ضخمة 
من جانبه أكد المحلل الاقتصادي د. محمد الناير لـ (الوطن) على أهمية   مكافحة الدولة للفساد وتقضي عليه وليس بالذي يذكره تقرير المراجع العام بل أن تتم المحاربة بالمفهوم الشامل للفساد من فساد مالي وإداري  ومؤسسي وإصلاح خدمة مدنية وتفعيل (من أين لك هذا ) وإبراء  الذمة عند الخروج من الوظائف، وأكد الناير أنه إذا أصبحت الدولة جادة في تفعيل هذه الاصلاحات الاقتصادية من شأن ذلك أن يعيد أموال ضخمة للخزينة العامة.. وأكد على ضرورة تفعيل اللوائح وقال إن إصلاح الخدمة مهم جداً وضروري لأن الأداء بها ضعيف، لكن بالمقابل يجب أن توفر الدولة الحد الأدنى من الأجر للعاملين وهذا من أهم القضايا لتجويد العمل  والأداء.