خبير اجتماعي : أغلب الموظفين لديهم شهادات «تسنين» لهذه الأسباب
استطلاع: ندى بدر
> > زيارة قصيرة لمباني القمسيون الطبي تكشف عن تلك الأعداد الهائلة من المواطنين الراغبين في استخراج شهادة تقدير العمر«التسنين» ، فما بين شخص ضاعت شهادة ميلاده وآخر يحاول التستر على عمره الحقيقي ازداد الطلب على شهادات تقدير العمر لدرجة أجبرت وزارة الصحة في الأيام الماضية إلى إصدار قرار بوقف إصدار شهادة «التسنين» ، ماهو السبب وراء إصدار هذا القرار وماهي الأضرار الناجمة عن استخراج شهادات «التسنين»؟ وهل وضعت الدولة الخطط اللازمة لاستخراج شهادة ميلاد لكل مولود جديد أم إنها لم تضع في إعتبارها تلك الشرائح التي لا تستطيع الوصول إلى المستشفيات للولادة ومن ثم استخراج شهادة ميلاد لأطفالهم؟ كل هذه الأسئلة نحاول إيجاد إجابة لها من خلال هذه الأسطر ... > >
عدم إكتراث!!
بعض المناطق في ولايات السودان المختلفة لا زالت عمليات الولادة تتم في المنزل مما يعني انه لن يتم استخراج شهادة ميلاد لهذا المولود ، وإن حدث وتمت عملية الولادة في المستشفى فقد لا تتوافر خدمات استخراج شهادة للمواليد مما يضطرهم للحضور للمدن الكبيرة في ولاياتهم بهدف استخراج الشهادة ، وهذا يجعل الكثير من الأسر عاجزة عن استخراج الشهادة ويكون الحل في شهادة تقدير العمر ، وهناك بعض المناطق الطرفية في ولاية الخرطوم لا يكترث الأهالي باستخراج شهادة الميلاد في حال كانت الولادة في المنزل أو مستوصف ليس به خدمة استخراج الشهادة ، في القمسيون الطبي بالخرطوم قابلنا أحد المواطنين من منطقة شمال بحري أوضح أن ابنه قارب عمره الثلاث سنوات ولم يستخرج له شهادة ميلاد حتى هذه اللحظة نتيجة لظروف انشغاله، وقد حضر اليوم لاستخراج شهادة ميلاد ، وأوضح أن كثيراً من أهالي منطقتهم لا يقومون باستخراج شهادة ميلاد، لذا يعتمد أكثرهم على شهادة تقدير العمر.
في نفس الإطار تحدثت إلينا مواطنة وقالت إنها لم تستخرج شهادة ميلاد لابنتها كما أن تاريخ الميلاد كان مدوناً في ورقة بحثت عنها ولم تجدها وليس أمامها سوى استخراج شهادة تقدير العمر.
سنوات زيادة..!!
على العكس مما هو شائع أن من يستخرجون شهادات تقدير العمر يهدفون لنقص سنوات عمرهم فان هناك الكثير من الحالات التي يلجأ معها الشخص لزيادة سنوات عمره وعلى سبيل المثال في الفترة القريبة الماضية كان لا يسمح للشخص دون سن الأربعين بأداء فريضتي الحج أو العمرة لذا يكون الحل في استخراج شهادة تقدير العمر بسنوات إضافية.
في نفس هذا الجانب صادفنا سائق ركشة أوضح انه أضطر قبل أعوام لاستخراج شهادة «تسنين» بعمر متقدم حتى يستطيع الحصول على رخصة القيادة والتي لا يتم منحها إلا في سن الثامنة عشر ، وقد كان في أشد الحاجة لاستخراج الرخصة حتى يتمكن من العمل في هذه (الركشة) لعدم نجاحه في الجانب الأكاديمي ، وكانت تلك فكرة والده الذي ذهب معه وتم استخراج شهادة تقدير العمر واستطاع بعدها الحصول على رخصة القيادة.
اما وليد التهامي والذي يعمل في سوق أمدرمان قال إنه أضطر لاضافة خمس سنوات لعمره من خلال شهادة تقدير العمر وذلك للخلاص من ملاحقته لأداء الخدمة الوطنية والتي تستهدف الشباب دون سن الأربعين ، وقال إنه لم يكن يستطيع ترك عمله لأنه يعول أسرته بعد وفاة والده لذا أضطر لاستخراج هذه الشهادة التي تثبت انه تجاوز سن التجنيد.
هروب من التقاعد..!!
لمعرفة ما إذا كان هناك أسباب اجتماعية أو نفسية تقود البعض لاستخراج شهادة تقدير العمر توجهنا بهذا التساؤل للأستاذة فاطمة وقيع الله - خبير اجتماعي
و أوضحت أن الخوف من التقدم في العمر شئ طبيعي وكذلك محاولة التمسك بمرحلة الشباب لما يصاحبها من قوة وعنفوان وهذه إحدى سمات البشر الذين يلجأ بعضهم لاستخدام الأصباغ لخداع نفسهم والمجتمع أنهم ما زالوا شباباً ، ولكن هناك شئ لا يمكن تجاوزه أو التغطية عليه وهو الأوراق الرسمية التي تعكس حقيقة عمر الفرد ، لذا يلجأ البعض إلى استخراج شهادة تقدير العمر للتغطية على ذلك ، وهذه الهواجس نجدها بصورة ملحوظة لدى النساء خاصة اللائي لم يحالفهن الحظ بالزواج ويخشين من (العنوسة) ، واستخراج شهادة تقدير العمر في هذه الحالة لن تمتد آثارها السلبية لتطول المجتمع ، لكن الضرر الأكبر من استخراج مثل هذه الشهادات يكون في دواوين الخدمة المدنية وسط الموظفين الذين يسعى أغلبهم لانقاص سنوات عمره للبقاء في الوظيفة أطول فترة ممكنة وللهروب من حقيقة وصوله إلى سن التقاعد (المعاش) ، وهذا بكل تأكيد يكون أثره سالباً لأنه يخرق النظام الوظيفي بالإبقاء على أشخاص كان من المفترض إحالتهم للمعاش وتوظيف جزء من الخريجين في الأماكن الشاغرة ، لكن على العكس ساعدت شهادات تقدير العمر الكثيرين للبقاء في الوظيفة مما نتج عنه عدم وجود وظائف وانتشار للعطالة بين الشباب ، ويمكن الجزم بان أغلب العاملين بالخدمة المدنية والموظفين لديهم شهادات تقدير العمر (التسنين) وذلك للهروب من قرار إحالتهم للتقاعد ، كما تحدثنا إلى مدير قسم شؤون العاملين بإحدى الوزارات حول استغلال بعض الموظفين لشهادات ( التسنين) لبقاء أطول فترة ممكنة في الوظيفة ومدى تأثير قرار إصدار هذه الشهادات على السلم الوظيفي فأشارت إلى أن (90%) من الشهادات في ملفات الموظفين هي شهادات تقدير العمر والقليل منهم لديهم شهادات ميلاد ، ويهدف هؤلاء للبقاء في الوظيفة أطول فترة ممكنة ، وهذا يكون على حساب شخص آخر ينتظر فرصته في التوظيف ، لذا أعتقد أن الإتجاه لوقف هذه الشهادات سيسهم بصورة كبيرة في حسم الفوضى المنتشرة في كثير من دواوين الخدمة المدنية ، كما انه سيتيح الفرصة لتوظيف الشباب الذين طال بهم الانتظار دون أن تتاح لهم أية مساحة في المجالات المختلفة.
القرار لماذا؟
(ع .ع ) موظف بالقمسيون الطبي تحدثنا إليه عن أسباب قرار وقف استخراج شهادة تقدير العمر فقال إن الكثير من حالات التلاعب تحدث في هذه الشهادات وهناك أشخاص يعرفون تاريخ ميلادهم الحقيقي لكنهم يعمدون لإخفائه واستخدام شهادة تقدير العمر ، لكن ومن جانب آخر هناك مناطق في السودان لا يزال أهلها يجهلون أهمية شهادة الميلاد ولا يحرصون على استخراجها ، لذا يمكن القول إن هذا القرار قد جاء مبكراً وكان لابد من أخذ الخطوات اللازمة لضمان استخراج شهادة ميلاد للمواليد خلال الفترة ما بعد هذا القرار في ولايات السودان المختلفة.
وأوضح (ع.ع) أن هناك لجنة يعرض عليها الشخص المتقدم لطلب شهادة تقدير العمر تتكون من اختصاصيين في العظام والعيون والأسنان والأشعة ، كما يتم توجيه بعض الأسئلة مثل سنة التحاقه بمرحلة الأساس ويتم إجراء فحص ظاهري ويؤخذ التاريخ الذي يقوله الشخص المتقدم لطلب الشهادة ويتم البحث في سجلات المواليد السابقة والتالية لهذا التاريخ فان وجد يتم تحديد تاريخ ميلاده وإن لم يوجد يتم تقدير تاريخ الميلاد حسب الخبرة ونتائج الفحص.
وفي هذا الإطار شدد وزير الدولة بوزارة الصحة الاتحادية سعاد الكارب على أهمية ضبط استخراج شهادات تقدير العمر (التسنين) بالقمسيون الطبي بالولايات تفادياً لحدوث تلاعب في استخراجها ، وأشارت خلال زيارة سابقة للقمسيون الطبي القومي إلى الإتجاه إلى إلغاء شهادة تقدير العمر واستبدالها بشهادة ميلاد معتمدة من السجل المدني ، هذا وقد أعلنت وزارة الصحة بولاية الخرطوم الأيام الماضية عن وقف العمل في إصدار واستخراج شهادات التسنين والإكتفاء باستخراج شهادات الميلاد ، وعزا مدير القمسيون الطبي بالوزارة حيدر محمد آدم في تصريحات صحفية هذه الخطوة لاكتشاف عمليات تزوير في استخراج شهادات التسنين، مشدداً على عدم وجود رجعة في القرار ، موجهاً بضرورة الإكتفاء باستخراج شهادات الميلاد.