المطلوب من المؤتمر الوطني في هذه المرحلة أن ينجز ما عجز عن فعله طوال سنوات عمره السابق، وأكثر ما عجز فيه المؤتمر الوطني هو تحقيق شعاره (حزب رائد لوطن واعد) وعجز أن يكون كيانا جامعا، ومن أسباب عجزه أن السياسة التي نشأ عليها ظلت تقوم علي الإقصاء والاصطفاء، فعجز عن استقطاب أقرب الأقربين، ناهيك عن الأبعدين، والتحدي الذي يواجهه اليوم أن يتسع كيانه ليضم حتى أبعد الأبعدين، ولذلك كنا نصف الذين يقف طموحهم في هذه المرحلة في عودة توحد الحزبين المتفارقين بقصر النظر، وضحالة الفكر، وتواضع الطموح، فما بال الذين انحسر طموحهم إلي دمج الحركة الإسلامية في المؤتمر الوطني، وتلك خطوة لن تضيف عضوا واحدا للمؤتمر الوطني، بل سوف تخرج منه أعضاء كثر، ومعلوم أن بعض الذين والوا حزب المؤتمر الوطني بعد المفاصلة، والذين تقاربوا معه في تلك المرحلة فعلوا ذلك لخروج كبار الإسلاميين ورموزهم من صفه، وهؤلاء قد يخرجوا منه ثانية إذا شعروا أنه عاد إلي ما كان عليه، وليس ذلك مدعاة لأن يخلع المؤتمر الوطني جلده الإسلامي، ولكنها دعوة لتطبيق مضامين الإسلام الحقيقي لا شعارات فارغة تحمل اسمه، ولا تحقق من أهدافه ومراميه شيئا.
يجب ألا يفهم من ذلك أني ضد عودة التئام المؤتمرين المتفارقين، ولست بالطبع ضد وجود الإسلاميين في كيان واحد، وهذا يناقض موقفي وحالي الذي عليه الآن، فأنا ملتزم بفكر وفكرة الحركة الإسلامية التي عشت في كنفها أكثر من أربعة عقود من الزمان، وملتزم كذلك بصف المؤتمر الوطني، ولم ابتعد عن المؤتمر الشعبي الذي كنت من أنشط عناصر تكوينه، لا سيما في المجال الإعلامي، ومعلوم أني كنت آخر مسؤول عن الإعلام في المؤتمر الوطني قبل المفاصلة، وأول مسؤول عن الإعلام في المؤتمر الشعبي عند تكوينه الأول، ولكنني ضد أن يقف الطموح عن عودة الصفاء للإسلاميين والمؤتمرجية، وقد يزيد هذا طين الأزمة بلة، وأجد نفسي ميالا لفكرة الزعيمين الخالدين الراحلين المقيمين الشريف زين العابدين الهندي، والدكتور حسن عبدالله الترابي، فالشريف زين العابدين طرح فكرة الجبهة الوطنية، وسعي إلي إعادة تكوينها من خلال مبادرته للحوار الشعبي الشامل، والدكتور الترابي، كانت المنظومة الخالفة آخر ما طرحه لإعادة بناء الحركة السياسية في السودان، ومات الزعيمان، وتركا حلمهما أمانة في أعناق كل السائرين علي دربهما، وفي أعناق كل السياسيين الوطنيين المخلصين.