الثلاثاء، 19 مارس 2019

مقالات:• الحياة مهنتي :سيك كع.. سيك كع.. سيك كع


في المدن والأحياء والأرياف تتميز علاقات الناس بكثير من التواصل والتوادد والمنافع المشتركة والهوايات المتعددة في المنابر والمنتديات الشبابية والرياضية وقد تختلف من منطقة لأخرى باختلاف الأمزجة والعلاقات والبيئة والوسط المحيط. وبالرغم من ذلك تظل هنالك ذكريات جميلة ذات ارتباطات بأشخاص حفروا أسماءهم وزينوا بجليل أعمالهم ومهروا بواقعهم تاريخاً يذكرون به من وقت لآخر وأصبحوا بذلك شهرةً ومشهرةً في سجل مهن وحرف وصنائع اشتهرت في تلك المجتمعات.
بالديوم الشرقية بالخرطوم العديد من الشخصيات ذات القدرة والمقدرة على التأثير الوقتي واللحظي بالريادة والمحبة والقبول ولها نفوذ في قطاعات عديدة من المجتمع. المرحوم باب الله حامد بري (1914-1984) المولود في قرية البان جديد بشمال كردفان _والتي تقع جنوب مدينة الأبيض عروس الرمال والجمال وتلك القرية الخلابة بالمناظر والطبيعة المخضرة وأرضها المعطاءة فاكهةً وخضرةً حيث تسوق منتوجاتها بمدينة الأبيض وما حولها (اليوم سعيد كأنه عيد... يلا نمشي حدائق البان جديد) أجمل ما تغنى به الفنان عثمان الشفيع وأجود ما جادت به قريحة الشاعر محمد عوض الكريم القرشي (عليهم رحمة الله)_ وهو واحد من أولئك الذين تركوا ذكري جميلة في وقت مضى وما زالت تنقلها الأجيال جيلاً بعد جيل. أشتهر باب الله حامد ذلك الرياضي المطبوع بحب كرة القدم والتعامل الراقي وبالطرفة والدعابة بطريقة تخصه هو ؛اشتهر بتصنيع وبيع التسالي (الحب) في الساحة الشعبية بالديوم الشرقية والمايقوما والسجانة وليق الخرطوم وأستاد الخرطوم ونادي المريخ ودار الرياضة بأم درمان وهو الإعلامي الشعبي المنتقل بين تلك الساحات والأندية، يحلل ويعلق على مجريات المباريات والمنافسات دون أن يؤذي أحد ودون أن يخسر أحد، يحدثك عن اللاعبين وأعمارهم والفرق التي انتقلوا منها وإليها والأهداف الذهبية التي أحرزوها، كما يحدثك حديث العارف عن أخبار الرياضة أول بأول وهو يدور حول المصاطب الشعبية بالملاعب في رقة وخفة كالفراشة، يداعب ذلك ويرد على ذلك وهو يسوق للتسالي. وتسبقه العبارة المشهورة »سيك كع... سيك كع... سيك كع« والتي يرددها طوال تجواله وقد اشتهر بها طوال حياته، فهو مريخابي على السكين يحب اللون الأحمر القاني كحبه لمهنته وأكل عيشه لا يكره الهلال بل له مع الهلالاب مودة ومحبة خاصة وكذلك المورداب... الخ. وكثيراً من الأخبار الاجتماعية والرياضية والسياسية ينقلها عبر منافذ بيعه للتسالي، أكسبته هذه الخاصية (شهرة الإعلامي الشعبي المتنقل). أحبه الناس ويسألون عنه عند الغياب، وله زبائن في زريبة العيش بسوق السجانة (أحمد الحاج الحسين وشقيقه بابكر الحاج الحسين) يشتري منهم أجود أصناف الحب الوارد من ربوع كردفان والقضارف ويا حبذا لو كان بطن البطيخ أبيض. كما تميز العم باب الله بعمل الخير والإحسان فهو رجل خير وبركة، إذ يقوم بحفر وتجهيز المدافن بمقابر فاروق بالخرطوم بنفسه وبأدواته الخاصة ويحرض الناس على عمل الخير، وبذا أصبح رجل المجتمع المحبوب في الديوم الشرقية، له أحباب وأصدقاء كثر. أحبه الأطفال قبل الكبار (وما زلت أذكر دراجته الرالي ذات اللون الأسود والقفاف التي يحمل عليها التسالي، والابتسامة التي لا تفارقه في أحلك الظروف والأوقات الحرجة). 
رجل مشبع بحب أهل الخرطوم واحيائها المختلفة والديوم الشرقية خصيصاً وما جاورها ، كيف لا وهو الذي أحب ترابها وأزقتها وأطفالها والرياضة والمجتمع ترك ذكرى حية تظل محفورة في وجدان الذين أحبوه وتناقلوا أخباره وجليل أعماله وتذوقوا التسالي ذو الطعم الخاص واللون المميز، جيلاً عن جيل، وللذين لم يسمعوا به أو عنه أو يشاهدونه... لك المغفرة والرحمة.
وإلى أن نلتقي... ويبقى الود بيننا...