
حميدة عبد الرحمن
احتل الشرقرق الضخم مكانه على الجمر الذي تحول للون الشفقي الداكن وبدأ في الغليان استعداداً لاستقبال مسحوق البن والبهار المعتق من زنجبيل وهبهان وغيره حسب ذوق الصانع.
وبذلك اكتملت اللوحة وسحر الجو بقية الحضور من النساء اللاتي تركن ما بأيدهن وانضممن للجلسة التي اتسعت دائرتها خاصة عندما صدحت علوية وكانت تنتمي لشرق السودان بتلك الأغنية التراثية (سوي الجبنة يابنية ).....بصوت ساحر أخاذ...
سوي الجبنة يابنية في ضل الضحاوية
الجبنة التسويها حالف مابخليها
البن حبشي مامصري. . والعاشر يكون بكري
التلقيمة للإخوان ميه وأربعين فنجان
حكمك ذي نجيب أولى
الشال فاروق من الدولة
فاروق بدبابيرو بحرسو وصفافيرو
سوي الجبنة جارتنا مابنخسر تجارتنا
فنجان جبنة بشمالو يسوي الدنيا بحالو
ياللوري عليك الرسول بوري ...
وأسرعت أم الحسن بإحضار السجادة الفارهة والمحببة لديها وكانت تعتبرها جزء من طقوس شهر رمضان حيث تتسع لأكبر عدد من الأفراد و فرشتها في باحة حوش النساء وغطت الفرحة والبهجة وجوه الحاضرات من قبائل السودان المختلفة واللاتي أتين من مختلف قرى الشمال بدعوة من أم الحسن وطربنا طرباً شديداً لهذا الغناء الذي لم يألفنه من قبل، بينما تحمست المبروكة واجتهدت في إتقان دقة البن مع حركة وصوت الخلخال في قعر الفندق بينما بذلت الأخريات مجهوداً إضافياً لإصدار لحن مموسق بالفناجين وتركن الونسة الجانبية وبدأن في الاصنات والتركيز، فلم تجد علوية بدءُ من ترديد الغناء لأحداث طرب وبهجة واختلطت رائحة البن المقلي في المكان الرطب بعبق الروائح والأبخرة والعطور الفائحة من ثياب النساء. . . . وبدأت المبروكة في صب القهوة في الفناجين المتحلقة حول الجبنة الضخمة والمصنوعة من الفخار وقد تدلت من عنقها الطويل قلادة من السوميت الفاخر الملون والمنظوم بدقة وذوق فائقين وتتوسط الصينية متربعة على قمة الوقاية المرصعة بالسكسك الملون والملفوفة كعمامة اتقن صنعها بينما ينتشر عدد من السكريات المصنوعة من الخزف والمملؤة بالفول السوداني والطحنية والسكر والفيشار والعجوة الطازجة وعلى كل اختيار ما يحلو له.
وتحولت جلسة الجبنة لاحتفائية رائعة أظهرت العديد من مواهب الرقص الخفية لنساء قرية ناوا وفن العرضة للرجال في الحوش الخلفي وقد أطربهم غناء النساء الذي تعالى على نغم الدلوكة الذي أبدعت فيه حليمة مستعينة بالحلة الضخمة المنكفئة على الارض ودب النشاط في كل الموجودين وبدأ العمل الجاد للتجهيز وإعداد مايلزم للسماية والتي كانت تفصلهم عنها بضع سويعات.
عند المدخل كان عم المولود (جعفر ) وزوج فاطمة وعدد من شباب الحي قد قاموا بتكتيف الثور الضخم و في سرعة مباغتة ذبحة( ود علي سالم ) المشهور المشهور بالقوة والجسارة ودائماً يقوم بهذا الدور في كل المناسبات في القرية، وشمرت السواعد لسلخه وتكسيره وتقطيعه فكان في دقائق معدودة بين يدي النسوة اللاتي كن قد قطعن البصل وحمرنه منذ ليلة البارحة وحضرن الخضار بمختلف أنواعه من محاشي وسلطة....الخ
بينما جلست أم الخير إحدى نساء العائلة على بنبر واطئ تكاد تظنها لأول وهلة جالسة على الارض وقربها كومة ضخمة من الجرجير الأخضر المقطوف المفرهد والذي تم غسله وردمه فوق شوالين من الخيش النظيف وعليه كمية من ورق الجرائد لامتصاص الماء الزائد وكانت بين الحين والآخر تأخذ عدد من صفق الجرجير الأخضر القاني الخضرة وتحشره دفعة واحدة في فمها وتتحدث أثناء ذلك موجهة بقية النسوة لعمل اللازم بإعتبارها أكبرهن سنا وخبرة وكن يمتثلن لأوامرها دون جدل.
وأثناء ذلك سمع الجميع صوت جلبة شديدة مصدرها الباب الرئيسي للمنزل وكان عم المولود الأصغر( ساتي ) حضر من الخرطوم ، وقد جر خلفه عدداً من الخراف ورغم توجيه الرجال له بأن اللحم كثير وكافي إلا أنه لم يأبه لهم وكبر وذبح الخراف أمام الباب قبل دخول المنزل، بينما كانت زوجته رحاب وهي الشقيقة الصغرى لفاطمة تزغرد بصوت حاد ردد صداه جنبات المكان بينما بادلنها النسوة الزغاريد وكل منهن تهز بما تحمل من مفاريك وكمش ومفارم وسكاكين وغيره من أدوات الطباخة.
![]() |
حميدة عبد الرحمن |