السبت، 30 مارس 2019

مقالات:رائدات الاستنارة في السودان فاطمة سيف الدين الدخيري(1942 ـ 2019 ) «الأخيرة»


 
شد ما راقني  وأثلج صدري هو انبعاث طلائع ذلك الجيل من الرائدات الأول في أم كدادة الائي عطرن سماواتها وأذكين في ثراها حب المعرفة والتعليم فقد ظلت الفتاة في تلك العهود المظلمة تعيش على هامش الحياة  واتي عليها  حينٌ من الدهر لم تكن شيئاً مذكورًا حتى أيقظتها أصوات التفاؤل الثرة التي أرسلها الشرتاي مهدي سبيل أبو كدوك من قصره في بروش التي تعتبر احدى قلاع الاستنارة في دارفور وأعلن لأهل شرق دارفور أن عهد استغلال المرأة وتسفيه أحلامها قد ولى؛  فكان يسافر ويقطع المسافات الطوال ليبلغ الآباء ويحثهم على تعليم البنات كان الشرتاي لا يدخر جهدًا أو وقتاً أو مالاً في سبيل مشروع أمن به ؛ وحتى لا يتهم بأنه يروج لمشروع لايؤمن به أخذ كريمتيه ست النساء،  وهي والدة البروف عبدالله عثمان التوم ، واختها  ست الأهل إلى مدارس الفاشر ، وهن أول بنتين من دارفور يدخلن  المدارس؛  فقد قدم  الشرتاي نموذجاً متفرداً  وأنجزه بياناً بالعمل، ورحم الله الأستاذة والمربية الفاضلة حواء الصديق التي كانت تقول في  المنابر النسوية والله لولا الشرتاي مهدي سبيل ما تعلمنا ولا اهتدينا                                                                                                                                            لئن كان الشرتاي مهدي سبيل أبوكدوك هو حامل لواء الحداثة في  أم كدادة ففاطمة سيف الدين هي الأخرى رائدة الاستنارة التي  كانت تدافع عن اخواتها وبناتها واذكر مرة قد سجلت سهرة بإذاعة الفاشر معها صديقتها ورفيقة دربها بنت الأكرمين   الوزيرة فاطمة عثمان اسحق  وقلت لهن لماذا لم تسلكن المجال الأكاديمي  لماذا اتجهتن نحو المعاهد والتدريس وكانت الفرص متاحة لكن في ذلك الحين لدراسة الأكاديميات فكانت اجابتهن واحدة وقالتا بالحرف الواحد لأننا كنّا نريد ان نربي جيلاً من الفتيات يتحملن أعباء المستقبل فيلدن أكبادًا رطبة يمشون بنور العلم والمعرفة ثم يحددن هن احتياجاتهم وتخصصاتهم في المستقبل والحمد لله استطعنا ان نحقق هذه الأمنية  والآن لا يوجد بيت في دارفور ليس فيه طبيب أو مهندس أو قاضي  أو زراعي أو صحفي أو اقتصادي مرموق في العام 1981تم نقلها الى مسقط رأسها (أم كدادة) التي غابت عنها لأكثر من ثلاثين عاماً ،وعادت إليها في وظيفة تربوية مرموقة، حيث تم ترقيتها إلى موجه تربوي ؛ وهي آخر سلم وظيفي في سلك التعليم فأنشأت مدارس جديدة للبنات ،ودخلت في مجال عمل منظمات المجتمع المدني وتحولت إلى نحلة نشطة فيه فأنشأت الجمعية الإسلامية لنساء أم كدادة، كانت تهتم بالتعليم الديني للأمهات وأنشأت خلوة لتعليم القرآن وعلوم الحديث ،كذلك انشأت جمعية حواء للتنمية مشاركة مع منظمة تنمية المناطق المختارة التي تعمل في شرق دارفور، وعقدت شراكات ذكية مع منظمات مختلفة ،وأقامت شبكة اجتماعية غيرت بها سبل كسب العيش للمرأة الريفية في جميع أنحاء المنطقة .اقامت عداد من مصانع الصابون بامكدادة والطويشة واللعيت جار النبي ،وملكت مجموعة من الأسر الفقيرة عربات الكاروهات لنقل الماء والبضائع وأنشأت طاحونة تعاونية بامكدادة ومركزًا متعدد الأغراض، استوعبت فيه ربات البيوت وأقامت مطعماً وكافتيريا بحي المزدلفة بامكدادة .كما عقدت اتفاقيات وشراكات مع جامعة الأحفاد وجامعة الفاشر وجامعة القرءان الكريم، عادت كلها بالخير العميم على نساء المنطقة ،وتم قبول مجموعة من المعلمات بتلك الجامعات
.في مجال العمل العام تم اختيارها عضوة في الاتحاد الاشتراكي السوداني وعضواً في مجلس المنطقة عن مقاعد التميز للمرأة .
في عهد الإنقاذ تم اختيارها عضوًا باللجنة الشعبية بالإقليم وشاركت في نفير السلام الأول الذي سيرته اللجنة الشعبية للصلح بين الفور وبعض القبائل العربية بمناطق زالنجي ووادي صالح وأم دخن وكانت معها رفيقتها الأستاذة فاطمة عثمان اسحق التي أصبحت وزيرة فيما بعد وهي أول امرأة من دارفور تتولى وزارة في تاريخ السودان الحديث وقد شهد لها زملائها باللجنة الشعبية بالشجاعة والإقدام حيث كانت تتقدم وتخاطب الفرقاء أثناء اشتباكهم وكانت تبكي على الدماء التي أهدرت بسبب الاحتراب  والصراع .فازت فاطمة في الانتخابات التشريعية وأصبحت عضوًا بالمجلس التشريعي بالولاية وشاركت في مؤتمرات كثيرة داخل وخارج السودان حتى تقاعدها للمعاش في يناير من العام 2002.
كانت عليها رحمة الله أماً ناجحة ومثالية متزوجة من عبد الماجد أحمد أمين الذي عمل ضابطاً بالشرطة السودانية ولها ابنين منه هما الرائد أحمد عبد الماجد،  وابنها الآخر محمد الحبيب عبد  الماجد. بعد تقاعدها ظلت تواصل أنشطتها الاجتماعية حاضرة في كل المحافل الاجتماعية والثقافية ورغم إن المرض بدأ ينهش في عظامها ظلت تواصل نشاطاها  حتى   
اسلمت روحها وفاضت في  يوم السبت 16 فبراير 2019   ووري جسدها الطاهر بمقابر الصحافة بالخرطوم .
الآن وبعد أن هدأت روحها واستكنت وغاب ذلك الجسد النحيل وتوارى عن الأنظار  ،ستظل روحها تحلق في تلك الفضاءات الرحبة التي صنعتها بجدارة وعبقرية متناهية، فاستطاعت أن تنتزع الخلود لنفسها، وتسطر على جدران التاريخ أحرف من نور وتتربع على مقاعد الخالدين، وقبل أن أغادر هذا السفر الجليل لابد لي أن أحي الاستاذة الفخيمة زهراء إبراهيم الدخيري ابنه عمها وزميلتها منذ المرحلة الأولية وحتى تخرجهن من معهد معلمات الدلنج ،فالأستاذة زهراء هي الأخرى  كتاب آخر وسجل محفوف بالعطاء سنتطرق له في ملفات أخرى فهي بحق احدى رائدات الاستنارة في السودان ونسأل الله لها العافية وطول العمر فهي مازالت رغم رهق السنين قادرة على العطاء ولها ذاكرة متقدة نسأل الله أن يحفظها ويكلأها بعينه التي لا تغفل ولا تنام، ثم إني اتقدم بتشكراتي للأخ المحامي محمد التيجاني  ابوبكر الذي كان لي معيناً وقبساً أنار لي غرف تاريخ فاطمة الرائدة  .
إن كانت لي كلمة أخيرة  فأرجوا أن أرسل رسالة إلى الأخ عثمان محمد يوسف كبر نائب رئيس الجمهورية وأقول له إن اختلاف الرأي لا يفسد للود فإن تباعدنا سياسة  فقد تدانينا جغرافية وتاريخ ونحن من منطقة واحدة وأنت من أرومة كريمة لها أفضال على الكثيرين   فأنت سيد سرجنا ونبل رمحنا وحاتم عصرنا    أسالك أن ترعي مشروعات وانجازات الاستاذة فاطمة سيف الدين  وأن تزور أستاذتنا وأمنا جميعاً زهراء الدخيري لترفع من معنوياتها وتعينها على تصاريف الأيام ومحن الزمان وأنا لن أشك إنك فاعل.