الثلاثاء، 26 فبراير 2019

مقالات:الشهيد أمبدة أحد دعائم الحكم المحلي في السودان


   
 
ذكرت سابقا أنني- وكثيرون غيري- معجبون غاية الإعجاب ومبهورون تماما بالأداء العالي والعمل الخلوق الذي تقوم به الأستاذة رقية إبراهيم حميدان مديرة مدرسة الشهيد أبوبكر الثانوية النموذجية بنات بمحلية شرق النيل، وإخلاصها الفريد الذي برز من خلال النتائج المشرفة لطالبات مدرستها في الأعوام القليلة الماضية بإحرازهن المراتب المتقدمة والمراكز الأولى في نتيجة الشهادة الثانوية، مما جعل اسم المدرسة على كل لسان ومترددا في كل أنحاء السودان، وقد كانت ردود الأفعال متباينة حيال ذلك من المعترفين بفضلها، فمنهم من فرح بقلبه ومنهم من أثنى عليها ومدحها وشكرها بلسانه ومنهم من سعى لتكريمها، ولكني فضلت وفعلت - بحكم اهتماماتي الصحفية- أن أوثق لمسيرتها الذاخرة بالنجاحات والباهرة للعقول.
              وقد نوهت لذلك في مقدمة حواري معها الذي تم نشره في هذه الصحيفة في نفس هذا اليوم من الأسبوع الماضي ، وقد أشرت فيه إلى أنني قد أصررت على أن أجمع عنها أكبر قدر من المعلومات لأعرف وأدرك جوانب هذا النجاح الباهر الذي أصاب عملها والتوفيق المثمر الذي حالفها، وقد بعثت في مقدمة الحوار ببعض المعلومات وأمسكت عن البعض الآخر.
          ومما كان مبعثا لافتخاري وسروري أنني أثناء جمعي للمعلومات حولها، لفت انتباهي أحد مصادري نحو مكانة وسمعة زوجها الشهيد قسم الله الأمين أمبدة سيماوي تمساح ، وعن مدى تأثيره عليها في في مسيرتها العلمية والتعليمية الحافلة وتوثبها الدائم لأعمال الخير، وقد داعبني مصدري هذا حينها- حينما علم بغرضي من هذه المعلومات- بأنه بمثل ما وراء كل رجل عظيم إمرأة ، فإن وراء كل إمرأة عظيمة رجل، فازداد عشمي منذ تلك الحظة وكبرت رغبتي وقويت لمعرفة سيرة ومسيرة زوجها الشهيد.
        وقد من الله على نفسي بعد ورود المعلومات عنه أن أقف حيال رجل أمة وقامة، قد أكون قد سمعت بهذا الاسم لماما، ولكن هاهي الفرصة تأتيني على طبق من ذهب لأسبر غور تاريخه من جوانب متعددة لاتخذه قدوة طيبة واجعله مثلا أعلى للأجيال الحالية والمستقبلية - بعد أن وضع أثره الجميل في الأجيال الماضية- حتى ينهلوا من فيض خلقه ويتأسوا بوطنيته الصادقة ويتبعوا أعمال الخيرية ومسعاه الملموس في رفعة الوطن والزود عنه في أحلك الظروف وأصعب الأوضاع وأقسى الأحوال، فإلى شذرات من هذا التاريخ الناصع والسيرة العطرة والمسيرة الخالدة.
        ينحدر الشهيد قسم الله الأمين أمبدة من منطقة بارا بشمال كردفان مولدا ومنشأ وتعليما وسكنا، جده ( أمبدة سيماوي تمساح) مدفون في المقابر التي تجاور من جهة الشمال وزارة المالية بولاية الخرطوم، وهو أمير من أمراء الثورة المهدية ،وقد اتخذ من منطقة أمبدة مقاما له حينها كان ضمن قواد جيوش الإمام المهدي عليه السلام، وقد سميت المنطقة منذ ذلك التاريخ باسمه( أمبدة) ، وقد اراد الرئيس الراحل جعفر نميري تغيير اسمها إلى ( أم درمان الجديدة) ، ولكن أسرة البطل أمبدة قد رفضت ذلك بشدة ، فعاد الاسم إلى ما كان عليه ( أمبدة) التي توسعت وتطورت إلى الصورة التي عليها الآن، وقد كرم الرئيس نميري الفارس المغوار ( أمبدة) في شخص حفيده الشهيد قسم الله الأمين أمبدة بوسام النيلين من الذهب والفضة.
          وجذورهم من ولاية شمال كردفان في منطقة( أم سعدون) بالقرب من مدينة بارا، وينتسبون لقبيلة دار حامد ، وهي قبيلة عربية أصيلة ، وجد الشهيدة قسم الله من أمه هو الناظر محمد تمساح ، وهو ناظر قبيلة دار حامد الذي دعته الملكة أليزابيث ملكة انجلترا عند زيارتها للسودان في الستينات للحضور إلى لندن ضمن نظار القبائل الأخرى ، وقد أهدته عربة ميركري(mercary)، وسيف من ذهب ودرع من فضة، وهذه الهدايا القيمة موجودة حتى الآن يتوارثها الأجداد والآباء والأحفاد، وقد سار والد الشهيد ( الأمين سيماوي تمساح على نهج آبائه وأجداده في الحفاظ على تقاليد وموروثات وتراث ومكتسبات هذه القبيلة العريقة ، وقام بتربيته على هداها ، وقد حفظ الشهيد قسم الله القرآن الكريم في خلاوى خرس في منطقة البديرية بشمال كردفان على يد الشيخ الدرديري.
           انضم الشهيد قسم الله الأمين إلى الحركة الإسلامية حينما كان طالبا بجامعة أم درمان الإسلامية ، وبعد أن تخرج فيها تم تعيينه ضابطا إداريا في عهد الرئيس نميري ، وقد عمل في فترة حكومة مايو في مناطق كردفان وبحري الكبرى- التي تضم محليتي بحري وشرق النيل اليوم- ثم رئاسة مديرية الخرطوم وقتذاك، وواصل عمله في عهد ثورة الإنقاذ الوطني إذ تولى منصب سكرتير نقابة الضباط الإداريين ، وقد تسبب في منح الضباط الإداريين أراضي عبر الكتيب بولاية الخرطوم.
          بعد ذلك انتقل للعمل في حكومة الولاية الشمالية في العام ١٩٩٥ م في عهد واليها في ذاك الزمان العوض محمد الحسن، وواصل أيضا في عهد الوالي الحاج آدم يوسف - وهو دفعة ابن عمي الشهيد محمد حمد عبدالباقي الترابي الذي كان أمينا عاما لحكومة ولاية كسلا، وكانا على علاقة أخوية وأسرية قوية كما أفادني بذلك مصدري مفتخرا بوجود هذه العلاقة الطيبة بين الترابية ودار حامد- .
           ثم تم اختياره بعد ذلك أمينا عاما لحكومة ولاية النيل الأزرق في نهاية العام ١٩٩٦ م في عهد الوالي عبدالرحمن كبلو ، وقد عمل معه الوزير السابق أحمد كرمنو، وقد استشهد الشهيد قسم الله الأمين في منطقة ( ساجر) بولاية النيل الأزرق إثر حادث في منطقة العمليات  وهم يحملون معهم كاميرات تصوير للتوثيق.
          وللشهيد قسم الله الأمين ولدان وبنتان من زوجته الأستاذة رقية إبراهيم حميدان، وهم النقيب شرطة طبيب نبراس قسم الله الأمين التي تعمل في مستشفى الشرطة ومستشفى شرق النيل، وإيناس قسم الله الأمين المدير العام لمدارس الشهيد قسم الله ، وهي أربع مدارس أساس خاصة( اثنتان للبنين ومثلهما للبنات) ، وقد كانت إحداها مدرسة ثانوية عمل بها غالبية قيادات التعليم الثانوي بشرق النيل ، وقد أنشأت هذه المدارس تخليدا لذكرى الشهيد قسم الله وحتى تكون صدقة جارية له، ويرجع الفضل في تصديقها وتاسيسها إلى الأستاذ محمد الشيخ مدني عندما كان وزيرا للتربية والتعليم بولاية الخرطوم ، وكذلك الدكتور نافع علي نافع التي كانت له مساهمات كبرى في تاسيس هذه المدارس اعترافا بفضل مجاهدات الشهيد قسم الله الأمين الوطنية، وكذلك الحاج آدم يوسف نائب الرئيس الأسبق الذي تبنى اسرته تماما ورعاها رعاية حق وخير لأن الشهيد قسم الله قد عمل معه أمينا عاما لحكومة الولاية الشمالية في فترة توليه منصب الوالي آنذاك، وقد كانا متجاورين في السكن، وولديه أحمد قسم الله الأمين الذي درس علوم الطيران ببحري وله محل تجاري اسمه مركز اليقين للخدمات( طباعة وتصوير) بالقرب من محكمة شرق النيل، ومحمد المعتز قسم الله الأمين الذي تخرج في جامعة المشرق ويؤدي الخدمة الوطنية الآن.
           وبعد ، أترك تقييم انعكاس سيرة الشهيد قسم الله الأمين الرائعة على أداء زوجته الأستاذة رقية إبراهيم حميدان وتاثيره عليها لحكم وفطنة السادة القراء الكرام.