الوطن / خاص
لم تستطع بيوت السكة حديد مقاومة الظروف رغم متانتها وصلابتها ، واستسلمت للنهضة العمرانية والعمارات العملاقة التي دهستها قبل أن تصفيها بمعاول الجرافات وتصبح محل القطاطي المخروطة مجرد ذكرى وتاريخ في المدن والأرياف ..وتتميز بوت السكة عن غيرها بمبانيها ذات الطراز الفريد الذي يختلف عن المباني المعروفة في السودان رغم أنها تنتمي إلى أسرة (قطاطي القش) التراثية التقليدية التي تنتشر في الأرياف والقرى ولكن قطاطي السكة حديد يتم بناءها بالمواد الثابتة (طوب أحمر وأسمنت) وهذه المباني العتيقة لم تعاصر التكنولوجيا ولم تعرف بها لانها سبقت المعاول الحديثة التي تعتمد على الكمبيوتر والأنترنت .
ويقول محمد أحمد الذي كان والده عامل بالسكة حديد وعاش داخل هذه البيوت ذات الخصوصية : ياحليل بيوت السكة حديد !!! القطاطي الأسمنتية التي تشتهر بها مساكن السكة حديد في كل المدن انتهت وتمت إزالة جزء كبير منها ، زمان بيوت السكة نوعين قطية (على شكل مخروط) مفردة، وكانت تعطي لصغار العمال، وقطيتان متجاورتان (»مجوز » كما يطلق عليها العمال)، ومعهما حوش صغير و »منافع« تمنح لأصحاب الوظائف الكبيرة والمسئولين، بالإضافة إلى غرف معروشة بالاسبستون .. ويضيف : تتميز القطية المخروطة بمراوغة أشعة الشمس الحارة وتجعلها باردة وهي أبرد من البيوت العادية رغم انها مشيدة بالأسمنت.. سقوط امبراطورية السكة حديد ترك هذه البيوت المخروطة وغير المخروطة عرضة للإزالة خاصة وأنها تقع في مناطق استراتيجية ومهمة داخل المدن السودانية مما حرك الأطماع الإستثمارية لا سيما في العاصمة.. وكانت السكة حديد شريان يضخ كريات الحياة لكل أجزاء الوطن، لذلك كان من الطبيعي أن ينعش خلايا المدن التي يمر بها آنذاك ويغذي الكثير من القرى والمناطق، ولكن الشريان (جرحه) الزمن ونزف قبل أن يتوقف نبض (عطبرة) التي تعرضت لجلطة تداعت لها بقية المدن بـ(السهر والحمى) فاختفت نضارتها وبدت شاحبة حتى اليوم .. للسكة حديد فضل في رتق نسيج المجتمع وساهمت في تخطيط بناء المدن بطرازها الحديث وحول عطبرة التي كانت تعيش وسط الأعشاب إلى مدينة صناعية تتحرك كالتروس جلبت الحياة ونمو المدينة اجتذب الإستثمار والمستثمرين معاً وامتزجت الخبرات الأجنبية بأصحاب التجارب الوطنية في كل القطاعات بالمدينة فقام مجتمع جديد .. صدرت عطبرة تجربتها إلى شقيقاتها من المدن بحري , بورتسودان , كوستي , سنار , الدمازين وحلفا ، وبمثل ماتربط شبكة السكة حديد السودان ربطت أمشاج الصلات بين السودانيين فعاشت في داخلها كل القبائل وانصهرت تحت داخل القطار الذي يجوب السودان ويجد الاستقبال والترحاب والمحبة في كل مكان يتوقف عنده , و السكه حديد رسخ حتى اسمه في أحياء كل المدن التي يمر بها وهي نموذج للتعايش والتلاحم غير الأدور الأخرى الثقافية والرياضية , وعلى الرغم من ذلك تم تصفيتها وأصبحت هدفاً مشروعاً لجرافات والإستثمار..